Shadow Shadow

موت بأرقام فرديّة.. حياة بأرقام زوجيّة    

15:46 الأربعاء 13 مارس 2019
article image

حسام السراي

بين 2008 و2019، انقلبت مصائر وأحوال، وبين هذين العامين أطلال من الذكريات وندوب على أبنية بغداد صنعها رصاص العنف، كل شجّ منها له معناه وصداه من الصرخات على الأرض، رصاصة باسم العقيدة وثانية باسم الطائفة وثالثة باسم الحزب الفاسد، إلخ من شتّى الأنواع التي تطلقها المسدسات.

كلّ ماسورة مسدس من هذه الأسلحة المُشاعة، يفيد تصويبها بأنّ الحريّة موجودة في العراق، ومنها حريّة القول والفعل أيضاً، وكذا حريّة أن تفتك بالآخر في معادلة أضعف ما فيها الدولة.

يقول دستورنا المكتوب بعد نيسان 2003: “العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي”.

أنت صاحب رأي على الورق وفي الواقع، لا تحاسبك الحكومة ولا تسجنك إذا انتقدت رئيسها أو حتّى شتمته، وهذا واقعي وجارٍ في عراق اليوم، لكن ثمّة خطوطاً حمر تودي بالفرد إلى غياهب المجهول.

أكثر من عنوان هو فوق كلّ السلطات في العراق، لعلّه السلطة الفعليّة إذا تجرأنا بالتوصيف قليلاً، هل ننسى صورة رجل المرور المدمّى وجهه؛ لأنّه اعترض طريق أحد المسلحين من رجالات الأحزاب المخالفين لقواعد السير؟ ونفسه ذاك الشرطي يعرف أنّ لجوئه إلى الحكومة لأخذ حقّه غير كاف، فعليه أن يذهب إلى عشيرته التي تدافع عنه وتحميه ساعة أراد ذلك.

بين 2008 و2019، حدث الكثير في الساحة العراقيّة، انتقلنا من سطوة الطائفيّة على المجتمع والخطاب العام، إلى العشائريّة والمناطقيّة التي تدير الآن بمنطقها الحياة اليوميّة للناس.

يقول ناقد وأكاديمي معروف في ندوة ثقافيّة: “العشيرة الآن هي حاكم فعلي في العراق من دون منازع، والتكوين العشائري موجود بدِلالِه وأعرافه ومضايفه حتّى في الحكومة”.

وبين 2008 و2019، رُفع الكثير من كتل الكونكريت التي طوّقت الأجساد والأرواح طيلة عقد ونصف قد مرّ، إلا أنّ الكونكريت الجاثم على بعض العقول لم يرفع بعد ولو لسنتمتر واحد.

بين 2008 و2019، فُتحت المنطقة الخضراء وصرنا نمشي إلى جوار المسؤولين والوزراء ونستنشق هواءهم وتعجبنا كثافة الأشجار التي تحيط بمنازلهم.

في هذين العامين أيضاً، لحكاية العراق وضحاياه مع الأرقام الفرديّة غرابتها ومأساويتها بالقدر ذاته، ففي العام 2008 وبتاريخ 23 آب، أغتيل الباحث كامل شياع بـ 7 رصاصات اخترقته وأودت بحياته في الحال، وكان الحدث قد سجل سبقاً فيما ستلحقه بنا الأرقام الفرديّة.

وفي 2019 أغتيل الروائي علاء مشذوب بـ 13 رصاصة، أنهت حياة الكاتب الكربلائي، تاركاً روايات تقول عناوين بعضها؛ “فوضى الوطن” و”حمّام اليهودي”، شيئاً عن مضامينها.

موت بأرقام فرديّة.. حياة بأرقام زوجيّة    

إذن نحن أمام قصّة شهيدين، الأوّل حالم بعراق آخر، له يوتوبياه الخاصّة التي قتلته حينما أتت به من بلجيكا المستقرّة إلى بلده المضطرب، ليسقط والدم يلوّن قميصه وكتبه التي اشتراها قبل ساعات من الجريمة. هذا اليساري البعيد عن نهج الإلغاء والتخوين الذين يدين به بعض معتنقي اليسار من العراقيّين والعرب، هو شهيد المرحلة الطائفيّة وأحد ضحاياها.

أمّا الثاني، يُبرز مقتله السهولة التي تنتهي بها حياة المثقف الأعزل، حيث الضحية على دراجته الهوائيّة وهو على بعد أمتار عن بيته، فيمزّق الرصاص جسده. هذا الكاتب المحتج هو شهيد في مرحلة سطوة العشائر التي لا تريد للفرد أن يكون حرّاً بلا تمترس بالانتماء القبلي، إنّما تجبره أن يكون إبناً باراً لعشيرته ولشيخها كي ينجو برأسه في المصائب!

الرقمان 7 و 13 فرديان، يختصران مساراً طويلاً خاضه العراق، مسار تتجاور فيه الخيبة مع الأمل، المروءة مع النذالة، واللطف مع القبح، والأسى مع الفرح، والسمو والرقي مع الرثاثة.

لربّما معرض بغداد الأخير للكتاب خير ما يمكن أخذه مثالاً عن الثنائيات المتضادّة؛ صورة وسط المعرض تؤبّن الروائي المغدور، وحفل توقيع لكتابه الجديد “شارع أسود”، لكنّ الحفل يُقام ورواية مشذوب تباع أكثر من ذي قبل. إذن ثمّة تجاور بين الحزن ورعب التفكير في فعل التصفية الجسديّة، وبين بقاء اسم الكاتب حاضراً وحيّاً.

المعرض الأخير أقيم على مدار 12 يوماً، وكان علامة على ظهور جيل شاب له رأيه وحضوره في الميدان العام، بعد موجة احتجاج وحرائق أشعلها شباب البصرة، وكانت مؤشّراً يفيد بقدرة الشباب على تحريك الواقع وتغييره.

موت بأرقام فرديّة.. حياة بأرقام زوجيّة    

 وغير ذلك فإنّ الـ 12 شهراً من هذه السنة، ليست ببعيدة عن ذلك الأمل الذي صنعته أيّام الكتاب في بغداد، بل إنّ علامات أخرى لها وجودها في المدينة، مرّة بمواظبة العائلات على حضور حفل الأوركسترا السيمفونية الوطنيّة، وثانية عبر فتيات وفتيان يظهرون على “يوتيوب” معترضين على جملة من القضايا السياسيّة والاجتماعيّة، وثالثة مع عشرات من الفاعلين الشباب الذين يجازفون بمحاولاتهم وتجريبهم في السينما والمسرح وتأسيس المكتبات، وليس للمتابع إلا أنّ يتلذّذ معهم بصراع الأجيال، حتّى لو قال عنه البعض إنّه “مجرّد خرافة” أو “لافتة مستهلكة”.

هذه اللذّة المُبهجة يصنعها الجيل الأحدث، وإنْ كانت مغامرته اليوم في عام برقم فردي.

الأهم إنّ أفراد هذا الجيل الذين نراهم، ممّن ولدوا بعد العام 2000 تحديداً، لا يسألون مُحدثهم هذا السؤال كثيراً: “هل أنت سنيّ أم شيعيّ؟” كما سألت أجيال قبلهم.

ولا يتوجّه الغالبية منهم نحو ضيفهم بكلام من قبيل: “من أيّ أعمام؟ ومن أيّ عشيرة ومن أيّ فخذ؟!”.

ذهب شياع في مرحلة غدت فروضها بعيدة، ومن ثمّ تبعه مشذوب في مرحلة لاحقة من الاحتدام العراقي الحالي، وننتظر من مواليد الألفية الجديدة أنْ يضعوا بصمتهم في مرحلة هم مؤسّسوها وروّادها، طائفتهم هي عقولهم المنفتحة، وعشيرتهم هي تحدّيهم للفشل والخراب. 

خسرنا غير الفقيدين المذكورين أعزاء كثر برصاص غادر، وفرحنا بمناسبات تنتمي ثمارها إلى المستقبل، لتكون الخلاصة أنّ للموت أرقامه الفرديّة وللحياة طيف أكبر من الأرقام الزوجيّة!.

[youtube_video id=”r2ydTYY6Pjc”]

.

.

*عملا الكَرافيتي المرفقان من تصميم الرسام فؤاد محمد.

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل