fbpx
Shadow Shadow

فرهاد علاء الدين

مواقف القادة سبب لانتهاك السيادة

10:15 الثلاثاء 31 ديسمبر 2019
article image

فرهاد علاء الدين

 

توالت بيانات الاستنكار والشجب والتنديد من قبل القيادات السياسية والحكومية فور الإعلان عن استهداف مقرات لواءي ٤٥ و ٤٦ التابعين للحشد الشعبي في منطقة القائم الحدودية غرب العراق ليلة ٢٩ كانون الأول من قبل القوات الأميركية والذي خلف ٢٧ شهيداً و ٥٥ جريحاً من مقاتلي كتائب حزب الله العراقي. ويأتي هذا الاستهداف بعيد القصف الصاروخي لمعسكر كي وان في كركوك التابع للعمليات المشتركة ليلة ٢٧ كانون الأول والذي أدى الى مقتل مقاول أميركي وجرح ٧ اخرين.

الولايات المتحدة كانت قد حذرت من مغبة التعرض لقواعدها العسكرية في الأراضي العراقية التي تتواجد فيها قوات التحالف الدولي، وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بهذا الصدد في بيان صادر يوم ١٤ كانون الأول “إن أيّ هجمات تلحق أضراراً بالأميركيين أو بحلفائنا أو بمصالحنا فسيتمّ الردّ عليها بشكل حاسم”، وفي يوم ١٦ كانون الأول اتصل وزير الدفاع الأميركي برئيس مجلس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي يطلب “المساعدة في منع الهجمات على أفراد ومنشآت الولايات المتحدة وقوات التحالف الدولي في البلاد”.

إن تحذيرات الأميركان من استهداف مصالحهم وقواتهم في العراق واضحة ولا تقبل التأويل.

لا يخفى على أحد أن الصراع الدائر بين واشنطن وطهران بات الصراع الأكثر حدة في المنطقة وفي العراق منها على وجه خاص برغم أنه ليس المربع الأساسي، وأن التصعيد بين الطرفين تخطى حدود العراق ليشمل الخليج ومضيق هرمز واليمن ولبنان وسوريا. لكن الفرق الأساسي هنا أن العراق يضم قواعد عمليات مشتركة يوجد فيها بعض القوات الأميركية والتي تكاد تكون أهدافاً سهلة كونها على مرمى القوات الإيرانية مباشرة أو من قبل الفصائل العراقية المسلحة الموالية لها والتي هي الأخرى قادرة على الوصول إليها عند الحاجة.

لا شك أن إيران والولايات المتحدة تبحث كل منهما عن مصالحها الأساسية وأن علاقة أي منهما مع العراق هي لخدمة هذه المصالح، ولا يمكن لمراقب محايد وموضوعي أن يلقي باللوم عليهما انطلاقاً من حرصهما المشروع على مصالحهما أولاً، لكن اللوم هنا يقع على قادة العراق من أقطاب الطبقة السياسية الحاكمة، لأن أولى مهامهم هي حماية المصالح الوطنية العليا للبلاد والحرص على إبعادها ليس عن هذا الصراع فحسب بل عن أي صراع آخر يتهدد سيادة ووحدة وكرامة الوطن.

ولهذا السبب نرى أن المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف سبق لها وأن دعت مراراً و تكراراً إلى ضرورة إبعاد العراق عن دائرة الصراعات الخارجية وضمان “عدم جعل العراق ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية”. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الوجود الأميركي وقوات التحالف الدولي يأتي طبقاً لإتفاقية الإطار المشترك للأمن والدفاع الموقعة مع الحكومة العراقية، لذا فإن هذا الوجود تم بناءَ على طلب من الحكومة العراقية، وبناءً على ذلك فإن أي مسعى ومهما كانت النوايا والأهداف لإخراج تلك القوات ليس بحاجة إلى تصعيد ومواجهة عسكرية، بل كل ما ينبغي فعله هو مجرد طلب من الحكومة العراقية يتضمن رغبتها بإخلاء تلك القواعد أو التوافق داخل مجلس النواب على تشريع قانون لجعل الأراضي العراقية خالية من الوجود العسكري الأجنبي. لكن السؤال الأهم هنا هل أن وجود قوات التحالف مخالف للمصالح العراقية؟! على القادة السياسيين الإجابة على هذا التساؤل ومن وثم الإقرار بالمضي نحو إخراج أو إبقاء هذه القوات.

يحسب المراقبون أن تعامل القيادات السياسية البارزة مع الأحداث المهمة غير واضح بل غير متوازن في أغلب الأحيان ويعوزه الشعور بالمسؤولية أولاً والحنكة السياسية ثانياً، حيث نرى تلك القيادات تخالف سياسات الحكومة التي توافقت على تشكيلها! لا بل تتعاطى مع الأزمات والأحداث المصيرية دون مراعاة المصالح العراقية العليا، فهي من جانب تشيد بدور قوات التحالف في الحرب ضد داعش وأن تواجدها تحكمه شرعية الاتفاقيات الموقعة مع الحكومة، ومن جانب آخر تنأى بنفسها وتلوذ بالصمت عندما تتعرض القواعد المشتركة لتلك القوات إلى هجمات صاروخية بين حين وآخر في عموم مدن العراق وفي وضح النهار، لا بل لا تكلف نفسها حتى عناء الاستنكار والرفض لهذه الهجمات ولو على سبيل ذر الرماد في العيون.

لكننا نرى بالمقابل تدفق سيل بيانات الشجب والإدانة والتنديد عندما ترد تلك القوات على الهجمات الصاروخية. إن ازدواجية المواقف هنا يحيلنا إلى مثل النعامة التي تدس رأسها بالتراب دون جسمها في محاولة توخي الخطر القادم! كما أن مثل هذه الممارسات لا ترتقي لمستوى المسؤولية الوطنية والأخلاقية، ولا تنم عن حرص على بلد جريح كان ومازال وسيبقى ينزف دما بعد سلسلة حروب وصراعات ومواجهات كارثية، وفساد مستشر  ينخر جميع مفاصله، وأزمات تلد أخرى مهددة بنشوب حرب أهلية لا أحد يمكنه التكهن بما ستنتهي إليه.

مسؤولية حماية البلد من كل خطر يتهدد كيانه تقع على عاتق قادة الكتل السياسية، والصراع الإيراني – الأميركي كان وسيظل من أكبر التهديدات القائمة، لأنه ببساطة متناهية يجد في العراق ساحة مناسبة لتصفية هذا الخلاف الراهن وهذا يعني أن العراق سيكون بالتأكيد الخاسر الأكبر. ومن بين أسوأ السيناريوهات المتوقعة تأكيداً على حجم الضرر الذي سيتحمله العراق، ثمة فرضية تفيد بأنه إذا قرر الأميركيون على نحو مفاجئ مغادرة العراق واعتباره دولة مؤيدة لإيران، فلا يمكن استبعاد فرضهم عقوبات اقتصادية على العراق أشبه بالحصار المفروض حالياً على إيران، عندها لن يتمكن العراق من الصمود أمام حصار من هذا النوع جراء عدم امتلاكه الحد الأدنى من المقاومة بأنواعها الاقتصادية والعسكرية والغذائية فضلاً على عدم توفر البنى التحتية الأساسية للخدمات الصحية والتعليمية والطاقة وغيرها، وذلك يعني ببساطة متناهية الانهيار في غضون بضعة أشهر ليس إلا.

على قادة البلد التفكير جدياً بما يريدوه فعلاً لا قولاً للعراق ودوره في المنطقة، وموقفه الحقيقي النابع من مصلحة وطنية إزاء الصراع الإيراني – الأميركي، فاذا كانت مصلحة العراق الدخول في هذا الصراع، عندها يجب اختيار أحد الطرفين والاستعداد للضغط القادم من الطرف الآخر، فكلاهما لديه مقومات الضغط على العراق بشكل مباشر! وإذا كان الخيار النأي بالنفس عن هذا الصراع فعليهم التفكير جلياً بخطواتهم القادمة وما تتطلبه من حكمة وحنكة ودراية، أما الموقف الحالي فهو غير مقبول، لأن طرفي الصراع لديهما تمام الحرية في التحرك العسكري واللوجستي ولا يحسبون للسيادة العراقية والحكومة العراقية أي حساب يذكر، وعلى الحكومة ومؤسسات الدولة رسم خارطة طريق جديدة للتعامل مع الطرفين بما يخدم المصلحة العراقية لتدارك حقيقة كون العراق ساحة مهيأة بل ومغرية لصراع يحرق الأخضر واليابس ليكون العراق أول الخاسرين وآخرهم.

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
close

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل