Shadow Shadow

مشرق عباس

من يصنع القرار في العراق؟

21:24 السبت 02 مارس 2019
article image

*مشرق عباس
لا يساعد النظام البرلماني، بشكل عام، على تحقيق الانسيابية المطلوبة بين صنع القرار واتخاذه. وفي التجربة العراقية كان الاستخدام السيء لهذا النظام والثغرات التي حفل بها الدستور وعدم سعي الأوساط السياسية المتناحرة إلى سد هذه الثغرات، ناهيك عن بناء آليات منفعية معرقلة، من أسباب ضعف قدرة السلطات العراقية على صنع القرار واتخاذه.

مناسبة الحديث تتعلق بالاجتماع الذي رعاه رئيس الجمهورية برهم صالح أخيرا لجمع القوى السياسية المختلفة سواء تحت مسمى رؤساء حاليين أو سابقين، أو من خلال زعماء الكتل النيابية أنفسهم، لغرض تكوين ما يمكن أن يكون مطبخا افتراضيا لصنع القرار، وهي محاولة تستمد جذورها من دعوات وأفكار سبق أن طرحت حول “مجلس السياسات الاستراتيجية” الذي تم اقتراحه والاتفاق على تشكيله عام 2010، وتم التراجع عن ذلك لسبب بسيط مفاده: إن “الإطار الدستوري والقانوني العراقي لا يستطيع استيعاب مثل هذا المجلس”.

بالطبع إن الكتلة البرلمانية التي تشكل الحكومة تكون في التجارب البرلمانية المطبخ الأساسي لصنع القرار، وهي بذلك تتحمل مسؤولية القرار الحكومي وتدافع عنه وتسعى إلى ترويجه ومنع عرقلته في حال احتاج إلى شرعية قانونية. ومن ثم فإن الحكومة التي تشكلها تلك الكتلة البرلمانية تكون منبر اتخاذ القرار وتنفيذه على الأرض، وهذه البديهية الأساسية لم تكن متاحة في كل الحكومات العراقية المتعاقبة، بسبب عدم تشكل كتلة قادرة على إنتاج القرار، وهي غير متاحة في حكومة السيد عادل عبد المهدي الحالية، للسبب نفسه.

بل إن المشكلة في حكومة عبد المهدي مضاعفة، فقد كانت الكتلة الشيعية في البرلمان، التي اجتمعت تحت مسمى “التحالف الوطني” تتحمل مسؤولية قرار الحكومة، حتى خلال خلافات أحزاب الكتلة نفسها مع “حزب الدعوة” الذي قاد أربع حكومات متتالية، ولهذا كان الاتهام دائما يوجه إلى الكتلة الشيعية، وإلى حزب الدعوة داخلها، بأنها مسؤولة عن الأخطاء والانحرافات التي ارتكبت في المراحل السابقة، حتى مع الدفاع المستميت لرؤساء الحكومة السابقين، عن أن القرار العراقي كان قد تم تقاسمه مع القوى الكردية والسنية.

اليوم، وبالإشارة مجددا إلى الاجتماع الذي رعاه رئيس الجمهورية أخيرا، تبرز إشكالات حقيقية في التعاطي مع قضايا حساسة بحاجة إلى قرار فعلي، مثل إكمال تشكيل الحكومة، والموقف من القوات العسكرية الأميركية الموجودة في العراق، وتقديم ضمانات فعالة لدول وشركات إقليمية ودولية راغبة في الاستثمار في العراق، ولا تجد البيئة المناسبة ولا الضمانات لذلك، ومن ثم إصلاح البنية الإدارية المترهلة واعتماد آليات لتنشيط الاقتصاد وتنويع مصادره، وأيضا تحديد الموقف العراقي الواضح والنهائي من صراع المحاور الإقليمي الذي يصبح أكثر خطورة.

إن العجز العراقي عن اتخاذ القرار ليس سببه الانقسام الطائفي والعرقي كما يتم الترويج دائما، بل إن الخلل في بنية النظام ابتداء من الآلية التي يتم من خلالها تشكيل الحكومة، والعائدية السياسية غير الواضحة لهذه الحكومة، هو المعرقل الأساسي في هذا الشأن. وقد ظهر ذلك بشكل جلي في عجز القوى السياسية عن تنفيذ تعهداتها بإصلاح هذا الخلل، بل إنها عجزت طوال فصل تشريعي كامل، عن تعديل نظام اختيار الكتلة الأكبر في البرلمان، الذي يشكل حجر زاوية في البدء بالإصلاح السياسي.

إن محاولة رئيس الجمهورية الأخيرة، جديرة بالتفكير، لأنها تجبر القوى التي تتنازع القرار على تحمل مسؤولياتها من أجل اتخاذ القرارات المصيرية التي من شأنها تحقيق الإصلاح، لكنها محاولة منفردة لن يكتب لها النجاح، إذا لم تترجم إلى قوانين وآليات عمل تسهم في ترميم الثغرات الكبيرة في النظام، تمهيدا لإيجاد بيئة طبيعية وسلسة لصنع واتخاذ القرار خلال المرحلة المقبلة.
يمثّل تقاسم سلطة اتخاذ القرار في العراق، بين قوى سياسية ليست معنية بمصالح البلد العليا، بقدر اهتمامها بالابتزاز المربح لمؤسسات الدولة من جهة وقوى إقليمية ودولية معنية بتحقيق مصالحها على حساب المصالح العراقية من جهة أخرى، يمثّل بيئة تخادم نموذجية أصابت الوضع العراقي بالشلل والفشل، وأربكت كل جهود الإصلاح، والبداية الحقيقية يجب أن تكون بالعمل من أعلى السلطات على وضع قواعد جديدة لصنع واتخاذ القرار.

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل