Shadow Shadow

مشفى جماعي في بغداد

14:31 السبت 09 فبراير 2019
article image

يتحدث الروائي العراقي اللامع علي بدر عن الحاجة إلى مشفى جماعي للأمراض التي أنتجتها الطائفية والعنصرية في العراق، مستندا إلى طروحات يورغن هابرماس ذات المنحى الواقعي في التعاطي مع المُتَبنيَات الاجتماعية الأساسية، والاستعادة الواجبة لها باعتبارها نمطا “صيروريا” لا يجب القفز عليه، وإنما التعامل معه كنتاج بصمة إبهام اجتماعية غير قابلة للتقليد والتزييف والاستنساخ.

 

كان بدر يتحدث من مقهى في قلب بغداد، بحماسة عن مشروع ضروري لإعادة التدوين التاريخي للأحداث العراقية في سياق الاستعادة الثقافية لا الأرشيفية، وفي إطار تعميق الوعي لا تسطيحه، وتوثيق المعاني الكبيرة لا الأحداث المنفصلة عن سياقها.

 

 

في خضم النقاش البغدادي الذي احتدم بين نخبة من ألمع الباحثين والمثقفين العراقيين الغارقين لسنوات في توصيف السياق والمتن، وما وراء المتن، حيث يتم اتهام العلمانيين بأنهم تنصلوا من علمانيتهم لصالح الحوار مع الإسلاميين في العراق، وحيث يتم تثبيت الزمن على ارتكاب القوى الإسلامية بحق مفهوم المواطنة، في مقابل تثبيت تلك القوى على ارتكاب قوى قومية حملت شعار فصل الدين عن الدولة بحق المواطنة نفسها، كان مصطلح “المدنية” حاضرا كمقترح من مقترحات ما بعد العلمانية، ليس بكونه نقيضا للعسكرية كما يتشبث العديد من العلمانيين، بل لكونه في الدرجة الأساس ممثلا فذا لقيم المدينة التي يمكن الحديث عنها كصاهر ومشذب وناحت للهويات في هوية وطنية عليا مرة، أو كمشفى جماعي لكل الأمراض الاجتماعية الأولية مرة أخرى.

 

وربما يفترض بعضهم أن العودة إلى استحضار مصطلح “المدنية” في العراق بعد كم التشويه الذي تعرض له على يد المهاجرين من نقطة بيئة الوسط المعتدلة إلى الأطراف إسلاميين وعلمانيين، أشبه بالعودة لنفخ الحياة في جسد ميت. فالقوى السياسية العراقية التي تبنت مصطلح “المدنية” كشعار، لم تترك منفذا إلا وطعنت من خلاله قيم المدنية نفسها، وكانت جادة منذ انطلاق الحراك الشعبي المدني، الذي قاده المثقفون والناشطون العراقيون، في تجريد شعار “الدولة المدنية” من غاياته، وسكب “سخام” من الارتكابات والتأويلات والاتهامات على لوحاته العريضة. لكنها، وهي تنجح في دفع بعض العلمانيين إلى اليمين متخليين عن أطروحة الحوار المنتج ومحبطين من التسقيط الممنهج بحقهم، تفشل في زحزحة أسس الاعتدال العراقي المتشبث بأصول التعايش السلمي على أساس قواعد وعقود الدولة المدنية من نقطة الاعتدال.

 

 

ومع أن قلقا كبيرا قد تسيّد الأوساط الثقافية العراقية من زحف اليمين الإسلامي إلى ملعب المدنية، فإن الحقيقة سرعان ما انكشفت، فقيمة التعايش التي أقرها الزعماء السياسيون مطرزين أبواب أحزابهم بمرادفات “المدنية” تم النظر إليها سياسيا على أنها اتفاق حزبي يكبس زر العنف فيقل تدفق صنبور الدم، من دون أن يقدم ضمانات للبناء على حالة الوئام المضللة.

 

واقع الحال أن التعايش الذي تنتجه القيم المدنية ليس تعايشا حزبيا قلقا على طريقة توازنات الرعب، و”اللبننة” لم تعد مقترحا لحل الأزمة العراقية، كما أن تقليل ظهور العمائم في الساحة السياسية لا يعكس نمطا بل استدارة مؤقتة، والنضال المدني، إذا كان يستحق كلمة “نضال” بالاستناد إلى حركات الاحتجاج المدنية المتواصلة، يتطلب العودة للالتفاف حول الأهداف الأساسية التي جمعت المدنيين العراقيين بالعلمانيين منهم والإسلاميين المقتنعين بحدود الفصل البناء بين سلطة المسجد وسلطة مجلس الوزراء، وهي القوانين الحاكمة والعادلة التي تقود إلى الحكم الرشيد والمساواة تحت سقف المواطنة، والدفاع عن الدولة وحقوقها باحتكار السلاح والعقاب على أسس العقد المدني وإنهاء مظاهر الاستئثار والقطيعة والبدء في التأسيس لنظام تعليمي توعوي شامل برعاية الدولة لمنع تكرار مآسي الماضي، وإحياء قيم المدينة ومظاهرها ومتبنياتها بما يشمل تطبيق النصوص الدستورية والقوانين الضامنة لحرية التعبير والسلوك والضمير تحت سقف القواعد المتفق عليها اجتماعيا.

 

في خضم الجدل تستنزف 13 رصاصة جسد علاء مشذوب أحد المدافعين عن “المدنية” العراقية، والمنافحين عن “المدينة ـ كربلاء” في هويتها التي اعتبرها على الدوام مصهر هويات فرعية من نوع خاص، فينتبه الجميع إلى أن الأمراض لم تشف بعد، وأن فايروساتها الساكنة تهدد من جديد بالتهام ما تبقى من جدران المشافي الهرمة.

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

Loading ... Loading ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل