Shadow Shadow

حيدر نزار

محنة المؤرخ لما بعد ٢٠٠٣

22:33 الخميس 28 فبراير 2019
article image

 

*حيدر نزار 

من المؤكد أن المؤرخين العراقيين سيواجهون مأزقاً معرفياً عظيماً في استخدام آلياتهم التدوينية وقدراتهم البحثية في دراسة تاريخ العراق السياسي والاجتماعي بعد عام 2003، وسيبذلون جهوداً استثنائية تشبه إلى حدّ ما جهود منقبي الآثار الأركيولوجيين في اكتشاف الحقيقة وفك رموز هذا التاريخ وطلاسمه وغموضه والتمييز بين الزيف والاصل.

ينبه المؤرخ أريك هوبزبوم إلى أن التاريخ رحلة في دولة اخرى وبزمن مختلف تستدعي دراسته انتقالات وحركة ذهنية وخيالية لبلوغ جوهر أحداثه وحركة المجتمع وفاعلياته وأبطاله. وهنا يبرز السؤال عن كيفية التعامل مع مرحلة تاريخية فوضوية عنيفة، وماذا سيكتب المؤرخون المخلصون عن طبقة سياسية غريبة الأطوار والسلوكيات السلطوية تتقلب بسرعة بين الاتجاهات والتيارات الفكرية والسياسية بطرق مثيرة للدهشة. فالإسلامي يتحول لعلماني والأخير ينقلب لمتشدد ديني والكلمات عندها مجرد الفاظ بلا معنى وموقف فاقدة لمحتواها، طبقة سياسية شرعت في القرن الواحد والعشرين لشرائع وقوانين تعود للماضي المنتهي مبررة فعلتها بما هو أسوأ، فعلى سبيل المثال شرعت للعشائرية ولمراكز القوى ولشرعية السلاح خارج إطار الدولة والمرونة مع المجرمين والسراق والنهابين ومدمري مؤسسات الدولة وتقاسمت أحزابها ممتلكات وعقارات الدولة علناً دون أدنى شعور بالخشية أو الحياء. فهي نفسها التي أنشأت لجاناً اقتصادية لأحزابها مهمتها النهب والسلب والاسترزاق على حساب المصلحة العامة.

ما سبق قد لا يكون التعامل التاريخي معه مستحيلاً، غير أن الاستحالة تكمن في مسألة التعامل مع كم كبير ومتراكم من الزيف والاكاذيب والترويج الذي تقوم به الطبقة السياسية لنفسها، فرجال عاديين جداً تحولوا لأبطال، وأشخاص تلوحهم الشبهات انتقلوا من خانة الهامش الاجتماعي الحياتي إلى قادة وأصحاب قرار، وهاربون سابقون من أداء الخدمة العسكرية تحولوا لمناضلين ومجاهدين، ولصوص مطابخ أصبحوا من الساسة الإسلاميين يخّضبون لحاهم ويتختمون بخواتم لازوردية. ولعل كمية الترويج لهؤلاء تساعد في زيادة ضبابية الاحداث والوقائع أمام المؤرخ وتفقده قدرة التحليل وكتابة حقائق تاريخية، إذ ساعد الانفلات بالنشر والاعلام (صحف، مجلات، كتب، قنوات فضائية) إضافة إلى بروز الدور العظيم لمواقع التواصل الاجتماعي، وأدى أدواراً خطيرة في صناعة وصياغة رأي عام والتلاعب بالمزاج الشعبي بطرق عجيبة ومريبة ساهمت، كما أشرنا، في رفع من يتموضعون بالهوامش كأشخاص بغير تأثير ودور إلى متن الاحداث وصناعها وخالقيها بما لم يحدث من مثل تاريخي مشابه. وعلى هذا الأساس من قوة الدعاية والضخ الاعلامي والكتابة والنشر، بات الكُثر من الذين لا ناقة لهم ولا جمل بالاشتغال بالسياسة والإعلام والثقافة والفكر والفعل الاجتماعي، كشخصيات ذوي شأن واعتبار. وحتماً سيقع مؤرخو المستقبل في ورطة التعامل مع الوثائق التي تمجدهم وتشيد بأدوارهم دون أن يتناول الحقائق المختفية والمواربة خلف التدوين الذي يجري يومياً لهؤلاء من خلال صفحات الصحف الممولة أو المواقع الإلكترونية أو الوسائل الإعلامية والاتصالية المسخرة لهذا الهدف.

سيقع المؤرخ بمعضلة التدوين التاريخي المحايد الشفاف إذ ستتنازعه كتلتان من المعلومات؛ الأولى مختلقة كذباً برأسمال سلطوي حزبي، وكتلة أخرى تعتمد الحقيقة المختفية قسراً خلف الكتلة الأولى، وقد يبلغ المؤرخ الصارم الصبور مبتغاه، لكن ماذا عن المؤرخين وأنصاف المؤرخين الباحثين عن الحظوة أو من سيقع ضحية الوثائق المختلقة (ما كتبته الصحف والكتب والبيانات الحكومية)؟ وبكلا الحالتين سيجد المؤرخ النزيه، وكذا المشوه، نفسه بين نار الحقيقة المضمرة تحت الرماد ونار الكذب والخداع، وحينها يمكن للتاريخ العراقي المعاصر أن يضيع ويتحول فيه إمّعات وفاشلون وهوامش إلى أبطال وفاعلين وناشطين وقادة وفي جميع مجالات الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

 

نقلاً عن “المدى”

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل