Shadow Shadow

ما قيمة رفع كونكريت الخضراء أمام ملايين الجدران اللا مرئية؟

17:25 الخميس 18 أكتوبر 2018
article image

عبدالزهرة زكي*

صحيح أنّ لتسوير المنطقة الخضراء أثراً نفسياً ينبغي محوه، لكن هنالك في حياتنا الكثير من الأسوار غير المرئية التي ارتفعت وتعاظمت، بمصادفات وبغيرها، حتى باتت آثارها النفسية أشد وقعاً من هذا الذي تخلّفه (صبّات كونكريت) المنطقة الخضراء.

كنتُ يوم الخميس انتظر في ساحة عباس بن فرناس مجيء ولدي من خارج البلد. وكانت الساحة البائسة هي محطة الانتظار الأخيرة التي يمكن فيها انتظار مسافرين قادمين وتوديع آخرين مغادرين، وهذا بخلاف ما هو عليه الحال في كل مطارات البشر على الأرض. فالساحة تبعد بما لا يقل عن عشرة كيلومترات عن صالات المطار. كان يمكن لهذا الاجراء الذي فرضته ظروف العنف والارهاب أن يجري القبول به، وقد قُبل فعلاً من المواطنين، لكن ما بات يؤلم ويحزّ في النفس هو (التمييز) الفاضح بين مواطن وآخر، بين مسافر يحقّ له وصول المطار بسيارته وحتى دخول المطار، وبين آخر هو موضع ارتياب وشكوك ولا ينبغي لسيارته تجاوز ابن فرناس.

وفي هذه الساحة البائسة يتوجب على (العاديين) كراء سيارة لبلوغ المطار، إنه اجراء متعسّف، فالمطار الذي اتخذ إجراءً منعَ بموجبه الناسَ من بلوغه يتوجب على إداراته توفير نقل مجاني ومريح لهم من وإلى صالات ومدارج المطار، لكن الفساد والجشع لهما منطقهما الآخر طبعاً.

كان يمكن لانتظاري بالساحة أن لا يثير شيئاً في نفسي، لكن هناك سواي وسوى الملايين من مستخدمي المطار مَن لا يتوقف عند هذا الانتظار إذ يصل إلى المطار مباشرة سواء أكان مسافراً أم مستقبلاً. المكرَّمون ببلوغ المطار بسياراتهم هم من أصحاب (الجاه) و(المكانة العالية) من الحاصلين على هويات تعريفية من وزارة النقل.

هذا سلوك تمييزي لا صلة له بضبط الأمن الذي يمكن ضبطه بألف طريقة سوى هذه الطريقة المريبة والمشبوهة بما يثار من كلام ضدها. هذا جدار لا يقلّ سوءاً عن جدران المنطقة الخضراء، تصاعد بعمل غير دستوري ولا إنساني ما بين الناس والسلطات المترفّعة على الناس.

لكن في الشوارع، وفي كل حين، نصادف الكثير من الجدران الأخرى غير المرئية التي تفاقم النقمةَ على جدران الخضراء وعلى السلطات هناك وذلك كلما أُرغم الناس بسياراتهم على الركون جانباً من أجل مرور مواكب تناسلت حتى بات سائق (المسؤول) وخدمه وحراسه بسياراتهم المظللة السوداء يمتلكون (صلاحية) المسؤول نفسه حتى وإن لم يكن معهم بإيقاف الجميع من أجل يمرّ (طيف) المسؤول بلام وراحة بال.

وواقعاً، لا صلاحية للمسؤول، كائناً من يكون من أرفع مستوى إلى أدنى، ولا حق له بإيقاف مواطن واحد ليتقدم هو بموكبه عليه. لا صلاحية قانونية ولا أخلاقية تسمح بهذا، بينما انحطاط الأخلاق والقيم وحده الذي يجترح صلاحيات وحقوقا لإذلال الناس والحط من حقوقها وكرامتها بمثل هذا السلوك المنحرف. إنها جدران غير مرئية راكمتها إدارات وسلطات لا تعرف كيف تخلق احترامها ما بين الناس إلا بمزيد من الجدران.

كانت المنطقة الخضراء موجودة قبل 2003 لكنها كانت بمساحة هي الأضيق، فيما كانت الجدران اللا مرئية آنذاك ما بين الناس والسلطة هي الأكثر والأعلى والأعظم. وحاضراً اتسعت رقعة السلطة ومنتحلي صفة السلطة، وبات بمقدور أي من هؤلاء أن يختلق جدراناً لا مرئية تزيد من حدة غضب الناس وتفاقم المشاعر ضد هول الجدران المتنامية في كل مناطق التماس ما بين السلطات وما بين الشعب. ادخل إلى أي دائرة حكومية، بلا شفيع حزبي أو اجتماعي أو مالي، واكتشف بنفسك المآسي التي يعانيها العراقيون جراء الجدران العالية ما بين موظف الخدمة العامة وبين مراجعيه!

إزاء كل هذا تتضاءل القيمة المعنوية لرفع الحواجز الكونكريتية الفاصلة ما بين الشعب وسلطاته. ربما لا ينشغل الناس كثيراً حتى وإن استمرت تلك الجدران إذا ما نجحت السلطات في هدم الجدران اللا مرئية. من يعبأ بأن تكون الحكومة وراء جدران عالية أم خارجها إذا ما جرى تأمين حرية وكرامة الإنسان وعيشه الرغيد. خذوا الخضراء وما عليها وما يحيط بها من جدران، واتركوا الحياة لنا، نمضي في شوارعها من دون أن نصطدم بجدران لا مرئية فاقمتموها حتى بات التفكير برفعها ضرباً من خيال.

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل