ابحث...

Shadow Shadow

لامركزية الاحتجاج العراقي

الأحد 04 نوفمبر 2018
article image

 

 

مشرق عباس

“الى اين تتجه الامور في العراق؟” هذا السؤال الملح يتردد بقوة في كل مكان، على لسان موظف الدولة البسيط، والزعيم السياسي، وصاحب رأس المال، ورجل الدين، ويتساءل الجميع لأن احداً لايمتلك الاجابة، وأحياناً لايريد ان يتورط بها، ولأن الشارع العراقي اصبح جزءاً من قرار الاتجاهات، وهذه المرة بلا قيادة ولا خريطة طريق ولا إطار محدد.

والاحتجاج العراقي ضد العملية السياسية ورموزها كان قد بدأ قبل العام 2009 ووجد نفسه عام 2011 يحتل حيزاً في المكان العراقي ويصوغ هوية مدنية تواجه فساد حكم الاحزاب الاسلامية ويتماهى مع متغيرات الربيع العربي، لكن الاحتجاج يغير مساره ابتداء من عام 2012 ليصبح معبراً عن اعادة صوغ مفهوم “الطائفة” في نسختها السنية، ويخترع منابر مركزية في عدد من المحافظات تشكل نقطة التلاقي بين شيخ العشيرة ورجل الدين السني، ويعيد صوغ التظاهر باعتباره “مضيف” قبيلة كبيرة تلقى فيه الكلمات ويعاد في منبره انتاج الهوية الفئوية التي اتحدت مع هوية الدولة لعقود طويلة، وينتهي الى ما انتهت اليه الامور من سيطرة تنظيم “داعش” على الارض وتهديم ذلك المضيف على رؤوس من فيه، واعلان انهاء الالتزام بالدولة العراقية.

وفيما يعود الاحتجاج عام 2015 ليحتفظ برمزية المكان “ساحة التحرير” ويحولها الى عاصمة للتظاهر، يعود ايضاً الى منبره المدني لينتج معادلة اغلبية مدنية غاضبة ضد الجرح الذي خلفه “داعش” في الذات العراقية، في مقابل اقلية اسلام سياسي حاكمة تسببت بالكوارث، ويتلمس في الوقت نفسه ان قدرات تأثيره بدأت تتعاظم، وان آليات القمع التي واجهته في السابق بدأت تتراجع، ومن ثم يدخل الى المسار السياسي للتحالف مع تيار سياسي وشعبي يقوده مقتدى الصدر، فيتغير تمركز معادلة “الاكثرية المدنية” لتصبح “الاكثرية الشعبية”، و”اقلية الاسلام السياسي” الى “اقلية اوليغارشية فاسدة”.

تلك الخلطة الجديدة وجدت طريقها الى التمثيل السياسي، واصبحت حركة سياسية تعد بالتغيير وتطالب الشعب بالصبر، لكنها وهي تفعل ذلك، كانت قد اضطرت الى التخلي عن مكانها الرمزي (التحرير) وخففت من شعاراتها ومطالبها الكبيرة انسجاماً مع وضعها الجديد، فيما كان الشارع خصوصاً الجنوبي منه، يغلي بعيداً عن الرمزية المكانية والزمانية للاحتجاج، ويحمل قضايا مغايرة تتعلق بالدماء التي سالت من ابنائه خلال حرب “داعش” والأكاذيب التي سيقت، والنتائج التي انتهت اليها الحرب والسياسة، والانهيار الخدمي والمعيشي الذي تحمله وهو يراقب سرقة القوى السياسية والمجموعات المسلحة لقوته وارواح شبابه، وعجزها في المقابل عن انتاج دولة غير تابعة لجيرانها.

في لحظة الارتباك الجماعي، وتحول القوى التي حملت شعارات الدفاع عن المذهب الى العمل السياسي والمالي، وتواصل طعنات الكهرباء والماء والصحة والتعليم والنظافة في صميم الكبرياء الوطني العراقي، كان الاحتجاج جاهزاً للتخلي عن كل تجاربه السابقة، لينتج شكلاً جديداً مدمراً، ويطور آلياته ليكون لامركزياً ليس في المكان الذي اصبح كل شارع وكل دائرة حزبية او رمز امني او حكومي، بل في مستوى القيادات التي اصبحت محلية وجماعية تدرك هدفاً مركزياً واحداً هو احراق مقار الاحزاب واقتحام الحكومات المحلية.

في لحظة اقتحام المتظاهرين مطار النجف، كانوا قد ارسلوا الرسالة الاكبر بان مستوى الاحتجاج قد ارتفع الى هذه الدرجة، فكان على متظاهري الديوانية ان يرفعوه بدورهم باقتحام الحكومة المحلية، وطور متظاهروا كربلاء الدرجة الى حرق المقار الحزبية، قبل ان يصل الاحتجاج الى اقصى تجلياته في البصرة منتهياً الى احراق القنصلية الايرانية.

عندما نتساءل عن مسارات الامور في العراق، يجب ان نضع في الحسبان كل هذا التطور التدريجي في الاليات الاحتجاجية، ويجب ان نفهم ايضاً ان الاحتجاجات لو توفرت من جديد البيئة والاسباب لانطلاقها في اية مدينة، لن تعود الى ساحة التحرير حاملة لافتات وشعارات، بل ستبدأ من النقطة اللامركزية التي وصلت اليها تظاهرات البصرة، وهنا تحديداً يتشكل نمط الفهم الجديد لمخاطر الاحتجاج العراقي وضرورة التنبيه المستمر الى ان القوى السياسية لم تعد قادرة على مواجهة تداعياته مهما اعدت لذلك، وهنا ايضاً تكمن اسباب استمرار الجميع بالتساؤل القلق عن المآلات التي يمضي اليها العراق.

كلمات المفتاح:

leaderboard
leaderboard

ما هو نوع موادك المفضلة

Loading ... Loading ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل