fbpx
Shadow Shadow

كرد سوريا وتطورات الوضع في إدلب

20:05 الأحد 09 فبراير 2020
article image

آلان م. نوري

تمكنت قوات الحكومة السورية، تدعمها القوات الروسية و الميليشيات الموالية لأيران، من استعادة مدينة سراقب الاستراتيجية الواقعة شرق ادلب. و بهذا تكون قد سيطرت على مفرق الطريقين الدوليين M4 و M5 في المنطقة التي تعتبر آخر المعاقل التي تتحكم بها المعارضة المسلحة السورية المدعومة من تركيا. و مع استمرار المعارك، تقترب القوات الحكومية من السيطرة الكاملة على كل M5، لتفتح بذلك طريق مواصلاتها الرئيسي بين حلب، العاصمة الاقتصادية، و دمشق، العاصمة الادارية لسوريا الذي ظل مقطوعا لسنين. و كانت القوات الحكومية قد سيطرت قبل ذلك على معرة النعمان و المناطق المحيطة بها.

نتج عن هذا التقدم السريع وقوع العديد من مرابط المراقبة التابعة للجيش التركي ضمن مناطق سيطرة الجيش السوري. هذه المرابط و ما يقابلها من مرابط روسية كانت قد انشئت في اطار اتفاق سابق للتهدئة في مناطق ادلب و ضواحيها بين تركيا و روسيا. إلا ان اتفاق الهدنة هذا استثنى تنظيمات معينة على رأسها هيئة تحرير الشام المنبثقة عن جبهة النصرة التي تعتبر وريثة تنظيم القاعدة، و تُصنف كتنظيم إرهابي في الأوساط الدولية. قوات النصرة تعتبر الاكثر تنظيما و قدرة على القتال في ادلب و دورها محوري في كافة جبهات القتال.

استغلت روسيا، و معها الحكومة السورية، عدم التزام جبهة النصرة بالهدنة من جهة و احتفاظ روسيا لنفسها بحق قتال النصرة من جهة اخرى، كذريعة لشن الحملة العسكرية الراهنة.

أدى الانهيار السريع لقوات الفصائل في ادلب الى محاصرة مرابط الجيش التركي و تعرض بعض منها للهجوم و قتل عدد من الجنود الأتراك.  و اعربت تركيا عن قلقها على سلامة جنودها المرابطين في ادلب ودفعت  و لاتزال بتعزيزات عسكرية كبيرة نحو ريف ادلب، مهددة الحكومة السورية بحرب مباشرة. و بالتزامن مع هذه التهديدات تلتقي الحكومة التركية على أرفع المستويات الوزارية و العسكرية الميدانية مع النظراء الروس للعمل على صياغة اتفاق جديد للتهدئة في المنطقة. في هذه الأثناء تواصل القوات الحكومية السورية عملياتها العسكرية.

يُستبعد، على المدى الآني و المتوسط إمكان اندلاع حرب تركية-سورية مباشرة، لأن ذلك يعني بالضرورة الدخول في مواجهة مباشرة مع روسيا، وهو أمر لا يعتبره الرئيس التركي و حزبه في مصلحتهما الاستراتيجية و لا يعتبرانه في مصلحة الأمن القومي التركي. اذا، على المدى الآني و المتوسط، فإن التعزيزات التركية لا يمكن لها سوى رفع الكلفة العسكرية والبشرية لأي هجوم على المواضع التركية في ادلب، الى جانب اعادة تسليح الفصائل و رفع معنوياتها على أمل ان تصمد أمام هجوم القوات الحكومية. بينما، على صعيد العلاقات الدولية، تستمر في استخدام مأساة هجرة المدنيين من سكان ادلب بإتجاه الحدود التركية في هذه الظروف المناخية القاسية، و المخاوف (العنصرية في الاساس) للحكومات الاوروبية من تزايد الهجرة السورية الى بلدانها، للضغط على الحكومة السورية لإجبارها على وقف عملياتها العسكرية.

مسار المباحثات التركية-الروسية يبدو متعثرا لحد الآن حيث فشل الطرفان في التوصل اي اتفاق ملموس سوى على ضرورة التهدئة و اتاحة الفرصة للحل السياسي، بينما تطالب روسيا كما في كل مرة، بعزل النصرة و غيرها من الفصائل التي تعتبرها ارهابية عن اي فصائل معارضة أخرى تتواجد في ادلب، وهو أمر تعجز تركيا عن الإيفاء به في كل مرة و ستعجز عنه هذه المرة ايضا.

اذا، هنالك احتمال واقعي بإنهيار الفصائل المسلحة كليا او خسارتهم للتجمعات السكانية في ادلب. ذلك يعني ان مقاتلي هذه الفصائل امامهم خيار واحد هو النزوح الى منطقة عفرين المجاورة، او الانتقال عبر الاراضي التركية الى منطقة (سريكاني: عين عرب) التي احتلتها تركيا في سوريا منذ منتصف 2019، و تمتد المساحة المحتلة في هذا محور عمقا بأتجاه طريق M4 السريع من تل تمر شرقا الى عين عيسى غربا. هذا يعني ان هذه الفصائل سوف تدخل مناطق تعتبر في القانون الدولي مناطق محتلة تتحمل تركيا بشكل رسمي مسؤولية الأوضاع فيها، و يختلف ذلك جذريا عن وضع ادلب حاليا، حيث أن تواجد القوات التركية فيها هو بصفة مراقب ضمن اتفاق قبلته سوريا ضمنا.

من هذا المنطلق، نتحدث عن الخيارات المتاحة لقوات سوريا الديمقراطية(قسد) و الادارات المدنية الذاتية لوحدات حماية الشعب الكردية (ي ب ك) و حلفائها التي تسيطر عسكريا ومدنيا على مناطق شرق الفرات  التي لم يصلها الاحتلال التركي:

أولا: واقع ما بعد الاحتلال التركي لـسريكاني و محيطها، و من ثم التفاهم الروسي – التركي الذي التزمت به قسد، ادى الى استقرار نسبي، و بات شبه مسلّم أن زوال الاحتلال التركي مرهون بمآل جهود تحقيق سلم اجتماعي و سياسي في عموم سوريا. ولكن اللجوء المحتمل لقوات النصرة، والتنظيمات المشابهة لها، إلى مناطق الاحتلال التركي في سريكاني او عفرين ومعاودة نشاطها المتوقع أن يكون منفلتا حتى بمنطق المحتل التركي، فسوف يشعل الأوضاع في المنطقة من جديد. و واضح من تجربة العام الماضي، ان القوات الامريكية، ما دام دونالد ترامب رئيسا، سوف لن تتدخل في قتال النصرة، وما على شاكلتها، إلا إذا هددت القوات الامريكية او حقول النفط في دير الزور التي تسيطر عليها هذه القوات. هذا يعني أن الكرد و قسد، في حال المواجهة المحتملة مع هذه التنظيمات لن يستطيعوا الاعتماد الا على روسيا ومن ورائها الحكومة السورية في اطار اتفاق شامل معهما.

ثانيا: في حال سيطرة الحكومة السورية على ادلب، و إذا استثنينا مناطق الاحتلال التركي المباشر و منطقة صحراوية من محافظة حمص على الحدود العراقية والاردنية  ليس لها اهمية استراتيجية سوى كونها عمقا لبقايا داعش التي تنشط في صحراء تدمر، فلن يتبقى سوى شرق الفرات، حيث تسيطر قسد و ( ي ب ك). و من المنتظر ان يكون تصفية اوضاع شرق الفرات على رأس أولويات النظام بعد ادلب. و في هذا الاطار لابد من اخذ ما يلي بعين الاعتبار عند بحث الاحتمالات:

سيطرة الولايات المتحدة على حقول النفط شرق الفرات، خصوصا كما عبر عنها الرئيس ترامب، تعتبر، حسب الأطر القانونية في الولايات المتحدة نفسها، جريمة حرب. لذلك فإن استمرار هذه السيطرة مرهون بتواطؤ و خضوع اغلبية كافية من اعضاء الحزب الجمهوري في السلطة التشريعية الامريكية من جهة، و بفوضى تراكم فضائح انتهاك القوانين من قبل الرئيس ترامب لدرجة تجعل من مشكلة الوضع القانوني لحقول النفط السورية في مرتبة متدنية من سلم أولويات المواطن الأمريكي من جهة ثانية. فإذا جاءت الانتخابات الامريكية نهاية هذا العام برئيس من الحزب الديمقراطي، فمن المنطقي أن ينقلب الموقف الأمريكي 180 درجة.

يربط دونالد ترامب بقاء القوات الامريكية و استمرار دعمها لقسد بحقول النفط، و بخلاف ذلك فهو يدعو الى الانسحاب وإعادة ترتيب الوجود العسكري الأمريكي في عموم الشرق الاوسط. أما الديمقراطيون الذين احتاروا في أمر المعارضة المسلحة السورية في عهد الرئيس أوباما،  و فشلوا في ايجاد شريك حقيقي لهم من بينها، فإن رجعوا الى سدة الرئاسة في نهاية هذا العام فيُتوقع  ان يدفعوا قسد بإتجاه نوع ما من مفاوضات السلام مع الحكومة السورية.

رغم ان (ي ب ك) قد أبدت في السابق مرونة كبيرة تجاه النظام السوري و أظهرت من خلال الادارات الذاتية (بغض النظر عن اوجه الخلل الكبيرة في تجربتها) انها تمثل خصما سياسيا عقلانيا للنظام و نمط حكمه، فإن صورتهم هذه قد تشوهت كثيرا من جراء تورط (ي ب ك) في ملف النفط والسيطرة الامريكية عليه.

في مقابل ما سبق، نجد الجوهر اللاديمقراطي و المعادي للمنطق في سلوك النظام السوري تجاه الحقوق السياسية و الثقافية و الاجتماعية للمكونات الإثنية المتنوعة في شرق الفرات، هو أمر غير قابل للاستمرار، خصوصا اذا كان الفاتورة الاقتصادية و العسكرية و السياسية الدولية لنمط الحكم هذا تدفعه روسيا.

ازاء ما سبق عرضه، يبدو ان كلا من قسد و النظام السوري امام امتحان القراءة العقلانية لإحتمالات تطور الوضع الميداني في ادلب الذي يتطلب التفاوض بشأن اسس عودة مؤسسات الدولة الى شرق الفرات. ان الادارات الذاتية و ي ب ك هي من الآن امام مفترق طرق مهم لإثبات أن مكانها في غد أفضل لسوريا يتجاوز السلاح الذي أُجبرت على حمله، و غدا لناظره قريب.

 

 

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
close

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل