Shadow Shadow

*يحيى الكبيسي

في مقولة الدولة الزبائنية!

21:22 الجمعة 08 مارس 2019
article image

 

*يحيى الكبيسي

كان العامل الطائفي/ المذهبي حاضرا بشكل صريح في بنية السلطة مع تشكل الدول العراقية الحديثة بعد العام 1921، وذلك لأسباب موضوعية عديدة؛ بينها طبيعة السلطة “السنية” التي كانت قائمة في عهد الدولة العثمانية، ومن ثم طبيعة النخب العربية السنية التي تشكلت في المدن الرئيسية: بغداد والموصل والبصرة (كان المعارض الرئيس لتولي الملك فيصل الاول حكم العراق من البصرة وهو طالب النقيب، السني الذي كانت أسرته تتولى نقابة أشراف البصرة، والذي كان أحد المرشحين لتولي العرش).

 

 

لكن السؤال الطائفي، خاصة فيما تعلق بالأغلبية والأقلية، لم يكن مطروحا في بداية تأسيس الدولة، بدليل ان المحافظات ذات الغالبية الشيعية كانت من اوائل من قبل بحكم فيصل للعراق، وبقي هذا السؤال مسكوتا عنه في البداية، إلا انه ظهر تدريجيا في المشهد السياسي. ولعل الوثيقة الأولى حول هذه المسألة كانت رسالة السيد محمد حسين كاشف الغطاء في العام  1935 التي يطلق عليها في الأدبيات الشيعية بـ “مطالب الشيعة”، وتضمنت 12 مادة، جاء في المادة الأولى منها: “لقد تبنت الحكومة العراقية، منذ تأسيسها حتى اليوم، على سياسة خرقاء لا تتفق مع مصالح الشَّعب، واتخذت سياسة التفرقة الطائفية أساساً للحُكم؛ فتمثَّلت أكثرية الشَّعب بوزير واحد أو وزيرين، ممَّن يسايرون السُّلطة في سياساتها، على الأكثر، وعلى مثل هذا الأساس تمشَّت الحكومة في سياسة التوظيف، فظهر التحيُّز صريحاً في انتقاء الموظفين، وأعضاء مجلس الأمة، بينما القانون الأساسي لم يفرِّق بين أبناء البلاد”. وثمة وثيقة أخرى تنحو المنحى نفسه، وهي الوثيقة التي قدمها الشيخ محمد رضا الشبيبي إلى رئيس الوزراء الاستثنائي عبد الرحمن البزاز العام 1965.

 

لكن الملاحظة الجوهرية هنا، هو أن بنية السلطة السنية، ومحاولة فرض هوية سنية على الدولة، ظلت محصورة في نطاق السياسة ولم تنعكس على المجتمع، تحديدا فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية. فمراجعة سياسة تمليك الأراضي مثلا تكشف عن هيمنة “الملاك الشيعة” على معظم الأراضي الزراعية في العراق. إذ من المعروف أن الأراضي الزراعية في العراق كانت حتى منتصف القرن التاسع عشر أراض أميرية صرف، بمعنى تعود ملكيتها للدولة. وعند صدور قانون الأراضي العثماني في العام 1858 او 1857، الذي وضعه مدحت باشا من اجل تشجيع العشائر على التوطن، بهدف تفكيك النظام العشائري الذي شكل صداعا مزمنا للدولة العثمانية، صار من حق العشائر، التي تستغل هذه الأراضي، أن تمنح لها بما يعرف بنظام اللزمة، كما صار بالإمكان أن تفوض إلى الأفراد عن طريق ما يعرف بالطابو. ولكن الاحتلال البريطاني، ومن أجل إعادة مأسسة نفوذ شيوخ العشائر، عمدوا إلى تطبيق نظام ابتكره الحاكم الإداري لبلوشستان السير روبرت ساندمان سنة 1875، والقاضي بتعزيز نظام «المشيخة»، بل وإعادة تشكيله، من خلال اعتماد نظام خاص لإدارة المناطق العشائرية.   عبر إصدار قوانين مثل (قانون تسوية حقوق الأراضي رقم 50 لسنة 1932)، و (قانون اللزمة رقم 51 لسنة 1932). حيث تم تسجيل أغلب الأراضي الزراعية بأسماء شيوخ العشائر، فأصبحوا المالكين الرسميين. هكذا سيطر شيوخ العشائر الشيعة في الجنوب والوسط على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وحولتهم إلى إقطاعيين حقيقيين.

ولكن مظاهر حضور البعد الطائفي/ المذهبي، فضلا عن العلاقات العشائرية والجهورية، في علاقات ما بعد السلطة المباشرة، بدأ بالظهور مع العام 1963، فقد استمد نظام عبد السلام عارف، ومن بعده أخوه عبد الرحمن عارف، قوتهما بالأساس من خلال الضباط الكبار الذين ينحدرون من الحواضر/ المدن، والعشائر في الأنبار، فضلا عن الضباط المنحدرين من المدن السنية الأخرى، مثل تكريت والموصل، وإن بشكل أقل.  ليتكرس هذا الحضور الثلاثي (المذهبي العشائري الجهوري) الجهوي/ العشائري بشكل اكبر في ظل نظام حزب البعث العربي الاشتراكي بعد العام 1968. وقد ساعد عاملان موضوعيان في هذا التحول؛ الاول بنية الدولة الريعية للإقتصاد  العراقي، الذي بدأ يتكرس منذ العام 1952 التي شهدت الاتفاقية الخاصة بالمناصفة في الأرباح بين الشركات النفطية الدولية والحكومة العراقية، وهو ما جعل الرأسمالية العراقية تعتمد اعتمادا شبه مطلق على علاقتها الزبائنية بالدولة، والثاني قانون الإصلاح الزراعي لعام 1958 الذي قوض سلطة ملكيات الأراضي الزراعية الكبرى، مع ما استتبع ذلك من مشكلات حقيقية في الانتاج الزراعي بشكل عام.

في تحليله لطبيعة العلاقة بجهاز الدولة والانتماء الطائفي، يشير د عصام الخفاجي في كتابه “الدولة والتطور الرأسمالي في العراق)، إلى أن هذه العلاقة بداية من العام 1963 لعبت دورا أكبر في تعيين محددات الصعود السريع لفئة المقاولين البرجوازيين العليا، وأن هذه العلاقة تكرست بعد مجئ البعثيين إلى السلطة في العام 1968. فقد شكل السنة العرب 20 من المقاولين الواحد والثلاثين الكبار. وقد كان للمنحدرين من محافظة الأنبار النسبة الأكبر، إذ بلغ عددهم 8 ( ما نسبته 25.8٪ )، فيما بلغ عدد المقاولين الكبار الذين ينحدرون من تكريت 7 مقاولين ( ما نسبته 22.5٪) من مجموع المقاولين الكبار. لتشهد عقود الثمانينات والتسعينات هيمنة شبه مطلقة لرأسمال المال الزبائني السني،  خاصة بعد التحول الجذري نحو الجهوية الذي حكم نظام الحكم البعثي في العراق بعد سيطرة صدام حسين على الحكم في العام 1979.

مع عام 2003، وطبيعة النظام السياسي الطائفي الصريح الذي حكم الدولة،  انتشر ما يسمى بالنظام الزبائني بشكل عمودي وأفقي بشكل غير مسبوق، خاصة في ظل تحول العامل الطائفي/ المذهبي،  إلى محدد رئيس من محددات تشكيل رأس المال في سياق بنية الفساد التي تحكم الدولة ككل.

ومراجعة سريعة لأسماء الشخصيات التي تحولت خلال مدد زمنية قصيرة إلى رؤوس أموال غير مسبوقة في تاريخ العراق، ستكشف بشكل واضح عن هذه الحقيقة. في الوقت نفسه فرضت علاقات القوة السياسية نفسها على طبيعة هذه الزبائنية الجديدة، فالهيمنة الاحادية سياسيا أنعكست، عمليا، طبيعة العلاقات الزبائنية هوياتيا. هكذا وجدنا خلال السنوات الخمسة عشر الماضية نوعا من تراكم رأس المالي الزبائني الشيعي والكردي، بسبب الثبات النسبي للقوى السياسية الشيعية والكردية، في حين وجدنا نوعا من التشظي في رأس المال السني الزبائني بسبب طبيعة التحولات التي حكمت القوى السياسية السنية، فضلا عن أنه رأس مال مهاجر غير مقيم في العراق لأنه لا يمتلك الحصانة السياسية التي يمتلكها الرأسمالان الأولان!

إذا كان المال عمليا لا رائحة له، كما تعلمنا الحكمة اللاتينية، فان تاريخ العراق يعلمنا ان للمال رائحة وهوية ونسب وعشيرة واعمام واخوال، وان الدولة الزبائنية هي ربه الاعلى!

 

نقلاً عن: القدس العربي

ما هو نوع موادك المفضلة

Loading ... Loading ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل