Shadow Shadow

*غيث التميمي

عمار الحكيم العمامة المتوازنة

22:04 السبت 09 مارس 2019
article image

 

*غيث التميمي

 

معتمداً سياسة أصمت ودع “جمهورك” يتكلم عندما نزل السيد عمار الحكيم إلى ساحة الخلاني يقدّم نفسه عن طريق جمهوره، وقد نجح في حشد أكبر جمهور منظم في الحياة السياسية العراقية، كما كان خطاب الحكيم يشبه جمهوره معتدلاً.

الجماهير الغفيرة التي حشّدها الحكيم تؤكد أن في العراق غير السيستاني ومقتدى الصدر قادر على تحريك الشارع، مع الفارق بين طبيعة الجمهورين، لأن جمهور السيستاني والصدر عقائدي، وهو جمهور مخيف لولا حكمة قادته، بينما جمهور الحكيم سياسي متحرك آمن، يتسع كلما أحسن الحكيم وقيادات تياره التقدير، ويتقلص حين يخفق في تلبية متطلبات المواطنين، كما حصل مع حزب الدعوة الذي عاقبه جمهوره.

 

عمار الحكيم كاركتر متميز وغير تقليدي، فإنه على الرغم من كونه وريث زعيم الطائفة الشيعية الإمام محسن الحكيم، ونجل رئيس التحالف الشيعي ومهندسه عبد العزيز الحكيم، وتربية عمه زعيم المعارضة الشيعية الشهيد محمد باقر الحكيم، وما تعنيه هذه العناوين من حمولة دينية وسياسية وذاكرة ثقيلة، إلا أنه أظهر قدرة عالية في تجديد الحياة السياسية لهذا التيار، تاركا خلفه حلفاء (وجوديين) لتاريخ هذه العائلة السياسي، متحرراً من أبرز وأهم أذرعه من صقور ورموز تياره، فقد تحرر الحكيم بأعجوبة من الولاء والتبعية للولي الفقيه في إيران، وفك الإرتباط السياسي مع “مكتب التوجيه السياسي” التابع لمكتب المرشد الإيراني علي خامنئي، وبسبب الإرتباط العقائدي مع إيران، تخلى عن تنظيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق الذي تأسس بأمر آية الله الخميني.

 

يقدم عمار الحكيم نفسه عن طريق جيل من الشباب الواعد، وشيوخ عشائر وبعض رجال الدين التابعين لمرجعيات النجف وحوزاتها، جمهور تُمثل المرأة فيه جزءاً فاعلاً، لا يتبنى غالبيتهم شعارات ثورية أو ايديولوجية عنيفة.

لا يوجد في سياسة الحكيم البراغماتية “لاءات” وكل شيء في مشروعه السياسي قابل للحوار والنقاش والتغيير، لأن الحكيم يطرح أفكاراً ولا يقدم عقائد، والسياسة عند الحكيم مصالح وتفاهمات، ولا يلجأ الحكيم للتصادم والصراع.

 

يتعرض الحكيم لهجمات بعضها منظمة وموجهة، منها ما يصدر من المتعصبين دينياً وطائفياً من معممي أسرته، وبعضها من المحور الإيراني والغرماء الشيعة التقليديين، مثل حزب الدعوة والتيار الصدري، وبعضها من القوى والشخصيات الديمقراطية والعلمانية، فضلاً عن الأوساط الثقافية، تترك هذه الحملات أثرها قاسياً في أوساط الفقراء والبسطاء، لأن الخط العام للحكيم تمثيل الطبقة المتوسطة من الشيعة، ولأن الحكيم هو القائد الكبير الوحيد الذي لا يؤدي شتمه أو انتقاده إلى قتل أو خطف أو تهديد في الغالب، لذلك يتلقى الحكيم إلى جانب حزب الدعوة القدر الأكبر من الشتائم والإتهامات في وسائل التواصل، لكن الحكيم وتياره استطاعوا بما يدعو للإعجاب الحفاظ على هدوئهم ولياقتهم ومرونتهم في التعاطي مع الآخر المختلف.

 

يسجل على تيار الحكيم تورط كبار قادته السابقين في تكريس الطائفية، والصراعات، والتبعية لإيران، والفساد المالي والإداري، والتطرف الديني، وكل واحدة من هذه النقاط تطارد القائد الشاب وتياره الواعد، والسبب عدم إدانة الحكيم لهم بصورة مقنعة، ولم يتبرأ منهم كما فعل الصدر مع قيادات كتلة الأحرار، من وزراء ونواب، مضافاً للترف الذي يظهره في احتفالاته ومؤتمرات ومنتدياته وملتقياته الكثيرة، وخصوصاً القاعات الفخمة والمنظمة.

 

ورغم كل التهم التي تطارد الحكيم وتياره فإنه استطاع أن يحقق أعلى رقم في عدد المقاعد الفائزة في كيان انتخابي واحد، دون تحالف مع أطراف أخرى، وعلى الرغم من ذلك تم استبعاده والعبادي من التشكيلة الحكومية عقوبة على عدم انصياعهم لهيمنة إيران على العراق، ولكن الحكيم تعاطى مع قرار ايران هذا بمنتهى المرونة والهدوء، محاولاً تعويض هذه الخسارة في إستعادة بعض المحافظات، لكنه خسر في البصرة بسبب تركة القيادي في الخط الذي انشق عنه الحكيم، المجلس الاعلى ماجد النصيراوي، وفي واسط يواجه المحافظ الحكيمي محمد المياحي أزمة كبيرة.

 

عمار الحكيم العمامة الشيعية الوحيدة التي تجلس مع الأمريكان والأوروبيين بصورة معلنة دون تحميل المقابلات أعباءً عقائدية أو ايديولوجية، ويزور جميع الدول العربية والمناطق الكوردية مرحباً به، وقد حافظ على علاقة لا بأس بها مع إيران.

 

سيكون للحكيم دور أكبر في مستقبل العراق لو نجح في إدارة محافظة واسط عن طريق تقديم مشاريع ستراتيجية تنتقل في وضع هذه المدينة العظيمة للمستوى اللائق، وينبغي على القوى المدنية والعلمانية تطوير تنسيقها مع الحكيم العمامة المتوازنة.

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل