ابحث...

Shadow Shadow

ضحكة عامة صادقة

الثلاثاء 04 ديسمبر 2018
article image

وليد غالب*

“وِحش، متشربش منّو” كانت هذه نصيحة الممثل الكوميدي عادل إمام، للقاضي في المسرحية الشهيرة “شاهد مشافش حاجة”.

لكن برغم النصيحة؛ لم يجد الناس مانعاً من التوجّه لصاحب محل العصير والشراء منه. كانت دعاية سلبية أدت بطبيعة الحال لنتيحة إيجابية للبائع.

اعترف بشكل يقيني أني – والكثيرين غيري – ساهمنا بترويج سيئ لروايات أستطيع أن أصفها بالسطحية، مشابهة من حيث القيمة لبضاعة محل “بتاع عصير القصب”. وكتبنا بشكل كوميدي هازل يثير الضحك، خلق دعاية لهذه الروايات.

يمكنني أن ألاحظ أنّ الترويج حصل، لأن الناس – كما في المسرحية – كانوا يضحكون بسبب “التنكيت” الذي كتبناه عن الروايات أو كُتّابها.

إن خطورة السخرية الهازلة، تكمن في قدرتها على إثارة الضحك العام الصادق، الذي يساهم بشكل كبير في إزاحة الجدّية والتفكير وفي توليد غياب وعي.

خطورة أخرى ممكن أن تُسجّل على الضحك العام في مواقع التواصل الإجتماعي، هو أنّه يَغوي لسباق الجملة الأكثر إضحاكاً. فالنكات التي بظاهرها تستهدف بضاعة، تكبر أثناء انتشارها بين الناس، إنها ككرة تتناقل بين الأقدام ولا تجد من يُدخلها الهدف لأنه أساساً لا يوجد هدف، هذا الامر يشبه تماماً جُملة كونديرا “كان هو أول مَن ضحك، لكي ينضم إليه الشعراء والجمهور، في ضحكة طويلة صادقة”. لكننا دائما سنجد أحداً ما، يُضيف ويكشف بدافع المنافسة، زوايا جديدة للضحك من “البضاعة – العمل الأدبي” وفي الأخير سنجد أن النكتة ستترك المُنتَج “عصير القصب كما في مثالنا” وتلتصق بلحم ودم المُنتِج، وهذه أحد اسوأ مزايا الهزل.

من الأمور البديهية أن البضاعة الرديئة أو السطحية، تحتاج دعاية غير جدّية، دعاية يُمكن أن أصفها بأنها “كوميدية مُضحكة” ويبدو أن مجتمعات – مثل مجتمعاتنا – تتأثر فعلاً بهذا النوع من الترويج.

في إعلان سيارات “سايبا” الإيرانية التي تغزو السوق العراقي، يضع المُخرج عائلة من أب وأُم، وطفل نائم هانئاً في المقعد الخلفي. تقوم الأم بتغطية الطفل بچاكيتها في إشارة لقوّة تبريد السيارة! فجأة يرن موبايل الأب فيبحث عنه، ولا ينتبه أن الطريق مقطوع وتجري عليه إصلاحات فنّية، وبمجرد أن يرفع رأسه يلاحظ الحاجز فيضغط الفرامل، تتوقف السيارة بهدوء برغم السرعة بدون أدنى اهتزاز، ولا تستيقظ الأم النائمة ولا الطفل، ينُزل الأب زجاج السيارة ليتحدث مع عمُال إصلاح الطريق، فيخرج الهواء البارد “المُنعش” من السايبا.

هل تعتقدون أن المُخرج مُقتنع بمواصفات هذه العربة؟!

إن هذا الترويج التضليلي، هذا التناقض المُضحك بين الإعلان وحقيقة السايبا، صوّر هذه العربة البعيدة عن أي كفاءة أو جودة كأنها مرسيدس!

وبرغم معرفتنا بسوء متانة السيارة، إلا إنها رقم واحد على أرض الشارع في إيران والعراق. إنه إعلان يُثير الضحك. يحقق المبيعات!

لنتخيل الآن، أن عادل إمام قال جملته الشهيرة السابقة بوجه جاد! هنا؛ سأجزم بشكل قاطع أن التأثير سيكون إيجابياً، وسيخسر فعلاً صاحب محل عصير القصب زبائنه. أو سيضطر لتطوير بضاعته.

طبعاً، ليس الهدف جعل صاحب البضاعة – الروائي مثلاً أو دار النشر – يخسرون. الهدف الحقيقي، هو تنبيه الناس بطريقة أكثر جدية، لسوء المطبوع الأدبي الذي بين أيديهم. لأني أعتقد أن أقصى ما تستطيعه السخرية حتى تكون مؤثّرة، هو رسم ابتسامة فقط.

إن السخرية الحقيقية تُحارب المقدّس بكل مستوياته، وترى أنّه ما عاد مُقدّساً، إنها تُظهر خراب خلقه التقديس ولابد لها من تعريته وفضحه لصنع إنسان أكثر حرّية. وهي أكبر من أن تنزل لمستوى الهزل، هي فكرة تقول: أن علينا أن لا نصدّق إلا بشكل ضعيف، بكل شيء فُرض علينا.

في الأعمال الأدبية السطحية كُنّا – بدافع الضحك فقط – مَن يأخذ دور مُخرج إعلان السايبا، لكن من دون وعي منّا، وروّجنا لأعمال على فيسبوك ومواقع التواصل الإجتماعي. وهذه خدمة يجب أن يشكرنا عليها أصحاب هذه الأعمال الأدبية!

كان يكفي أن نقول أن هذا العمل سطحي أو حتى ساذج، كان ينبغي أن نشرّح البضاعة السيئة أو حتى نتركها مثلما نترك بيضة فاسدة، ولا ننقلها للسخرية الهزلية المُضحكة. إنني لا أملك إلا أن أواسي حالي بقول الست أُم كلثوم: أهي غلطة ومش حتعود.

كلمات المفتاح:

leaderboard
leaderboard
mpu

ما هو نوع موادك المفضلة

Loading ... Loading ...
skyscrapper
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل