fbpx
Shadow Shadow

ذي قار بوصلة انتفاضة تشرين

15:52 السبت 01 فبراير 2020
article image

بغداد – ناس 

د. إبراهيم بحر العلوم

لم يشهد العراق في تأريخه المعاصر حراكاً احتجاجياً مضمخاً بدماء مئات الشهداء والاف الجرحى وملاحقاً بعشرات الاغتيالات وعمليات الاختطاف والملاحقة مثلما نراه اليوم في اغلب محافظات الوسط والجنوب في انتفاضة تشرين. وتصدرت محافظة ذي قار زخم هذه الاحتجاجات طوال الأشهر الماضية بإصرار شبابها وشيوخها، حتى أصبح الجميع يتساءل عن سر عزيمة شباب ذي قار التي لا تفتر بل تتوهج مع الزمن إرادة وتحدي وتقفز لتشكل البوصلة في الحراك الاحتجاجي للبلد بأكمله.

ليس غريباً على أبناء هذه المحافظة الروح الثورية ضد الظلم، فقد انطلقت شرارة الانتفاضة الشعبانية عام 1991 منها حتى أطلق عليها النظام البائد (صفحة الغدر والخيانة) في المقرر الدراسي (الثقافة القومية). وكانت (اهوارها) مسرحاً للتمرد وعمليات النضال في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وتصدرت ذي قار قوائم شهداء مواجهة الإرهاب الداعشي، اذن ليس من الغريب ان نرى تجلي هذا العنفوان والتحدي اليوم في ساحة الحبوبي –الرمز الديني لمواجهة الاحتلال البريطاني- الا امتداداً وسياقاً تأريخياً لأبناء هذه المحافظة.

وفي مقابل هذه الروح الثورية التي تجذرت في أبنائها، تجد هذه الأرض تحتضن اهم روافد الثقافة السياسية والأدبية، فمنها انطلقت الحركات السياسية اليسارية والإسلامية، وفي سوقها انتعش الادب والشعر، وصدرت نماذجاً لا زالت خالدة في ذاكرة العراق والمنطقة.

في هذه المحافظة التي تشابك عليها تأريخ الإنسانية منذ (سومر) وتشبعت بروح الثورية والثقافة وحباها الله بثرواتها وطبيعتها يعشعش فيها الحرمان والفقر. في عام 2004 كشفت الأمم المتحدة في دراستها الموسومة (خارطة الحرمان في العراق) ان نسبة الحرمان من (التعليم والصحة والبنى التحتية والمسكن وموارد دخل الاسرة) تصل 50%، وسجلت ذي قار حينها نسبة بطالة عالية تقارب 63 % وتدني في البنى التحتية بمعدلات تزيد على 70%  مقارنة مع باقي المحافظات وقد أوضحت الدراسة اعلى المحافظات حرماناً هي ذي قار وبابل والمثنى والقادسية.

لقد غابت خطط التنمية عن المحافظة طوال سنوات ما بعد التغيير، وقد يكون ذلك صحيحاً في كافة المحافظات، لكن ذي قار مورس بحقها تقصير وقصور. ان الشىء الذي يمكن تشخيصه في مرحلة السنوات العشرة الماضية على مستوى الاقتصاد العراقي هو زيادة الإنتاج النفطي من خلال تأهيل وتطوير الحقول النفطية في وسط وجنوب العراق وتولت الحكومة خلال عامي 2009-2010 ابرام عقود جولات التراخيص النفطية، ولم يكن لذي قار نصيب معتداً به في هذا الشأن ولا يتناسب مع درجة محروميتها.

لقد طرقنا جرس الإنذار عام 2007 من غياب الخطط لتطوير القطاع النفطي في محافظة الناصرية، ففي زيارتنا للمحافظة في نسيان من ذلك العام، للمشاركة في ندوة أقامها رجال الاعمال في ذي قار، أثرنا السؤال التالي: اين محافظة ذي قار من عملية التنمية المتوقعة في القطاع النفطي للبلاد، ومحافظة ذي قار تطفو على 5% من احتياط النفط العراقي، والمتمثل بثلاثة حقول رئيسية مكتشفة منذ السبيعينات من القرن الماضي (حقل الناصرية والغراف والرافدين) ويربو احتياطها النفطي على 7 مليار برميل من النفط.

وبقي هم ذي قار يلاحقنا، كلما لاحت في الأفق فرصة لتذكير المسؤولين، ففي أيار عام 2010 وكانت جهود الحكومة منصبة لتوقيع العديد من عقود الخدمة لتطوير حقول نفطية في محافظات أخرى، نشرنا مقالاً في جريدة (المواطن) حول ضرورة التوجه لتطوير القطاع النفطي في ذي قار التي تعتبر من المحافظات المحرومة. وكررنا دعوتنا في أيلول عام 2013 والتي جاءت متزامنة مع افتتاح المرحلة الأولى من انتاج حقل الغراف في ذي قار، طالبنا فيها وزارة النفط الجدية في انشاء شركة نفط ذي قار لتأخذ موقعها حالها كحال المحافظات النفطية الأخرى، والبدء بخطة واسعة لتطوير حفل الناصرية وعدم الاكتفاء بحقل الغراف.

لقد كانت وزارة النفط حينها تفكر بمشروع تكاملي لتطوير حقل الناصرية وانشاء مصفى بطاقة تكريرية تقارب 300 الف برميل يوميا ومحطة كهربائية وأخرى لتحلية المياه، وتقدمت العديد من الشركات الأجنبية طوال السنوات الماضية للتفاوض حول هذا المشروع العملاق، وتعثرت المفاوضات بحجة تعقيد النموذج الاقتصادي، في حين كانت المفاوضات يسرة عندما تم توقيع 15 عقد لتطوير الحقول في مختلف المحافظات.

كان يمكن لهذه المحافظة المحرومة ان تصبح واحدة من المحافظات العراقية المنتجة بمعدلات لا تقل عن نصف مليون برميل يومياً لو توفرت الإرادة السياسية باعطائها الأولوية، لكان الوضع الاقتصادي فيها افضل مما هو عليه الان، و لكن نصيبها المتعثر لم ينل اكثر من تطوير حقل الغراف. لقد غيبت المحافظة عن المنهاج التطويري للقطاع النفطي وبقيت رهينة الاجتهادات في القيادة النفطية ولم تلحق باخواتها مثل البصرة وميسان وواسط، حتى بغداد شملها تطوير حقل شرق بغداد وتم توقيع عقود لتطوير للجزء الجنوبي من الحقل عام 2017.

بقيت محافظة ذي قار يتيمة ليس لها من كافل يرعى استغلال ثرواتها وتطوير كوادرها وتنمية مواردها لتخفيف محروميتها. ونحن في الوقت الذي نشير الى التقصير والقصور في رعاية هذه المحافظة، علينا ان لا نبخس جهود وزارة النفط عام 2016 في تأسيس شركة نفط ذي قار. لكن الأمور بخواتيمها كما يقال فالمحصلة في الامر لقد غابت الإرادة السياسية الجادة في تطوير قطاعها الاستخراجي والتحويلي لتقليل درجة الحرمان في المحافظة، لكن لم تغب إرادة أبنائها في مواجهة التهميش والمطالبة بالتغيير. امام الحكومة القادمة ان تضع في أولوياتها تطوير القطاع النفطي وكذلك الصناعي في محافظة المحرومين، علها تؤدي جزءً من واجبها تجاه هذه المحافظة الشامخة بإبائها وأصالتها وثوريتها.

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
close

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل