fbpx
Shadow Shadow

*ياسين البكري

جدلية الثورة والإصلاح في أكتوبر العراقي

12:38 الجمعة 18 أكتوبر 2019
article image

 

*ياسين البكري

لا شك إن تجربة 16 عاماً قد وضعت النظام في مأزق كبير، ولا شك إن هذا النظام لم يستطع أن يقدم ما يقنع الشعب بأن التجربة تستحق الدعم، وللأمانة فإن هذا النظام واجه تحديات كبرى من نوع الإرهاب، وللأمانة أكثر إن أبرز تحدياته التي فشل بمواجهتها إنبثقت من داخله، حين تغولت طبقة الفساد السياسي وتوسعت قصعتها وأصبحت وليمتها جمهورها نفسه.

الغطاء السياسي جعل النهب سلوكاً محمياً وسهلاً ما دامت الغنيمة توزع على الرؤوس، مال ونفوذ وسلطة ومناصب، وفي جو الغنيمة والإفلات من العقاب وتسطيح الأمور وسوء الإدارة والبناء على الماضي وغياب الإنجاز وإستسهال الشعب، غابت المراجعات، وأي نظام سياسي يفتقد للمراجعات ولا يتوقف عند الإخفاقات لتصحيحها سيجد نفسه في لحظة إنتشائه بمواجهة أزمته الوجودية الكبرى، سيجد نفسه وطبقته وسحته في عنق الزجاجة.

هل يشك أحد من السياسيين إنهم الآن في عنق الزجاجة؟! وإن الأزمة الحالية أكبر من الترقيع، وأن العراق على كف إحتمالات، السيء منها له عواقب مؤلمة، أما الأسوء فتفاصيله ستكون صعبة على الحصر، وربما يكون إيجازها بمفردة كارثة تلخيصاً لما آلت اليه الأمور.

كثيرة هي المؤشرات التي كانت تستدعي وقفة جادة من الحكومة وقواها السياسية، ولا ريب إن العزوف الكبير عن الإنتخابات كانت المؤشر الأهم الذي تغافلت عنه القوى السياسية، وكثيراً تم التنبيه إن العزوف رسالة تحذير كبرى ومقدمة لتداعيات سيشهدها الشارع وهو ما حدث في اكتوبر، غير إن الأسوء هو طريقة تعاطي الحكومة مع التظاهرات بعنف مفرط أخرج الأمور من نطاق السيطرة وأدخل النظام السياسي في أزمة أكبر حتى من دخول داعش، كون النظام اليوم يواجه أزمة شرعية وأزمة وجود.

الخيارات المطروحة عبر نقاشات الأسبوعين الفائتين من المتظاهرين كجزء من المطالب، أو من النخب والمراقبين لتجاوز الأزمة ووضع الحلول  توزعت على ثلاث محاور:

1 – إصلاح النظام من داخل النظام، عبر تعديلات دستورية تدريجية.

2 – تغير النظام من داخل النظام عبر تغيير الدستور نفسه.

3 – تغير النظام من خارج النظام عبر ثورة تطيح بالعملية السياسية ورموزها.

فأي الخيرات ممكنة التطبيق وتتوفر على ضمانات؟

خيار الإصلاح قد لا يبدو جذاباً في ضوء إنعدام الثقة بين الشعب والطبقة التي حكمت وأفسدت طوال 16 عام، والأهم طبقة ضيعت أكثر من فرصة لبناء عراق مختلف، ومع ذلك يبدو هذا المسار الأقرب للعقلنة والأقل كلفة ويحقق إرضاء ومكاسب نسبية للشعب، والمعادلة هنا قائمة على صعود قوى المعارضة الشعبية درجة ونزول السلطة وطبقتها السياسية درجة، أي إنه مسار تدرجي ومساحة مساومة تجنب النظام السياسي والشعب خطوط القطع والمواجهة الصفرية.

بهذا المسار وما افرزته قوى الإحتجاج من مطالب قد نكون أمام بلورة قوى معارضة حقيقية فشلت القوى السياسية لمدة 16 عام على فرزها عبر إعتماد قاعدة المشاركة في السلطة، والمطلوب الأن من القوى السياسية لحل أزمة النظام أن تعمل على إشهار إعلان المعارضة عبر إشراك قوى الإحتجاج في الحوار الوطني الذي دعى له الرئيس صالح، وأن تكون طاولة المفاوضات والحوار بصفين متقابلين، الأول يمثل القوى السياسية بكليتها في مقابل قوى الإحتجاج، وأي حوار وطني لا يراعِ تلك الجزئية سيكون إجتراراً للحوارات الوطنية السابقة، ولن ينتج غير تدوير للفشل وتقديم لرؤى القوى السياسية ومصالحها، وبالتالي لن ينتج حلاً.

فرصة الإصلاح التدرجي في حوار مثل هذا بإشتراطاته السابقة يمكن أن يقدم فرصة جديدة ويخلق إلتزامات واجبة التطبيق من قبل الحكومة والقوى السياسية تحت ضغط التظاهر، وتعهدات من قبيل آليات واضحة لمكافحة الفساد، وإجراءات عملية لمعالجة مشكلة البطالة وإدارة الإقتصاد، والأهم المعالجات الجدية لبنية النظام السياسي في مفاصل مثل قانون الإنتخابات والجهة المشرفة على نزاهتها وآلية تشكيل الحكومة، والتعديلات الدستورية التي أثبت المخاض السياسي ضرورة مراجعتها، وإقرار قوانين للمواد الدستورية المعطلة بشرط سن قانون لها.

المسار الإصلاحي التدرجي يحتاج لمقدمة أو خطوة تعيد بناء الثقة بالقوى السياسية والحكومة، وقد تتمثل تلك المقدمة والخطوة في كشف ومحاسبة من إستخدم العنف مع المتظاهرين، من ضغط على الزناد ومن أصدر له الأمر.

التلاشي التدريجي للثقة بالنظام السياسي جعل بعض الحديث ينصب على تغيير الدستور أو بعض المواد التي تغير من شكل وطبيعة وفلسفة النظام السياسي كالتحول للنظام الرئاسي أو المختلط، أو إلغاء مجالس المحافظات، وهو ما عبرنا عنه سابقا بخيار (تغير النظام من داخل النظام عبر تغيير الدستور نفسه).

هذا الخيار في ضوء الآليات الدستورية نفسها غير قابل للتحقيق أو صعب ومكلف ، وسيواجه برفض القوى الكردية تحديداً التي تعد الفيدرالية مكسباً غير قابل للمساومة (مع إن العلاقة بين المركز والإقليم أقرب للكونفدرالية منها للفيدرالية)، وبالتالي أي تعديلات من هذا النوع حتى وإن مررت جدلاً داخل قبة البرلمان سيكون بحاجة لإستفتاء شعبي على أن لا ترفضه 3 محافظات بحسب المادة (142) / رابعا،* والذي فسر على أنه إمتياز للكرد.

من المنظور السياسي والدستوري قد يبدو هذا الخيار فرض أمر واقع، ما يعني وصفة توتر وأزمة جديدة وليس حلاً.

الخيار الثالث الذي يطالب به البعض والمتمثل ب (تغير النظام من خارج النظام عبر ثورة تطيح بالعملية السياسية ورموزها)، هو خيار مطابق لإعادة الدكتاتورية، ولا ينكر إن مبرراته نمت من الإحباطات المتكررة، وفساد الطبقة السياسية، وغياب القانون وبروز الروابط الأولية الإجتماعية والدينية والطائفية على حساب الهوية الوطنية الجامعة وهشاشة الدولة وغياب الإنجاز، وبروز جيل شبابي لم يعايش فترة الدكتاتورية، ورُوج له بمقارنة غير منطقية لكنها ذكية بالتأكيد، زينت وجهه بمكياج خادع، والمفارقة إن الطبقة السياسية نفخت فيه الروح عبر جعله شماعة لاخفاقاتها، ومنحته قوة عبر إستحضاره المتكرر في كل مفاصل التبرير.

ومع ذلك يجب تسجيل نقطة مهمة، وهي إن الأبوية البطريركية، أوالمنقذ، أوالمخلص، أوالديكتاتور العادل، أوالسلطة الكارزمية، والكثير من مرادفات هذا المفهوم لها حضورها في المخيال الجمعي العراقي، وما زالت أحداث صبيحة 14 تموز 1958، ونظام الجمهورية الأولى، تشكل لدى قطاع عراقي واسع لحظة معيارية لصلاح ونزاهة وقوة وعدم تبعة النظام السياسي الذي قام على أنقاض الديمقراطية الملكية.

غير إن هذا الخيار يفتقد لمقومات الظهور المادية، والأهم انه من الناحية النظرية لا يمتلك ضمانات تحقيق تطلعات المحتجين، فأول إجراءات هكذا أنظمة اللجوء لفرض حالة الطوارئ وتقييد الحريات ومنع التظاهرات بالقوة، الأمر الذي سجل مثلبة كبرى على حكومة عبد المهدي في تعاملها مع المتظاهرين، فهل سيقتنع الجيل الشبابي الحالي بهكذا مسار!!؟ وهل سيلبي نظام دكتاتوري أو عسكري طموحاته في تنمية سياسية وإقتصادية واجتماعية؟

خيار الثورات والإنقلابات أثبتت بالتجربة المتواترة إنها نقطة إنتحار صفري وقتل لكل منجزات التراكم البطيئ القابل للتصحيح والنمو، كما إن خيار الإنقلاب أو الثورة في واقع سياسي مثل العراق فيه مكونات القوة موزعة بشكل قد يكون متكافئاً أو يقترب من ذلك، سيكون وصفة إقتتال داخلي وانفتاح على المجهول بكل كوابيسه.

تجربة ما بعد 2003، بكل حمولات الإخفاق الذي رافقتها، وبكل إفرازات الإحباط التي أنتجتها، تؤشر لإمكانية تصحيحها المتدرج خصوصاً بعد تظاهرات أكتوبرالتي أفرزت معادلاً موضوعيا لقوة السلطة وطبقتها، معادل قد يبلور معارضة حقيقية، فعلى السلطة والطبقة أن تتلقف تلك المتغيرات وتركن لعقلنة وإصلاح النظام السياسي بإتجاهات تلبي المطالب، وأن تعي إنها بمسارها هذا  تحافظ على بعض مكاسبها الذاتية أولاً، في مقابل خسائر كاملة قد تدفعها ويدفعها العراقيون.

 

*(ملاحظة جدلية :المادة 142 التي نصت على شرط ،< وإذا لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات>، جاءت في باب الأحكام الإنتقالية، وخاصة بلجنة التعديلات الدستورية التي شكلت بعد تمرير الدستور في 2005، ولم يناقش البرلمان تعديلاتها، بينما تعديل الدستور جاء في المادة 126، في باب الأحكام الختامية ولم يشترط عدم رفض ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات)

 

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
close

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل