Shadow Shadow

*فرهاد علاء الدين

تداعيات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران على العراق

18:53 الخميس 25 أبريل 2019
article image

 

*فرهاد علاء الدين

مضت ستة اشهر بالتمام والكمال على تشكيل حكومة عادل عبدالمهدي وبالامكان القول إنها حكومة مستقرة غير مكتملة، ذات برنامج عمل معلن يتم تنفيذه بخطى واثقة وحذرة. الحكومة تمكنت من اكمال ١٨٠ يوما من دون أزمات سياسية تذكر على عكس الماضي القريب عندما كانت الحكومة تواجه الأزمة تلو الأخرى واحيانا تكون الازمات الجديدة هي السبيل لإخماد الازمات السابقة.

لعل من اسباب عدم وجود أزمات كبيرة ثلاثة عوامل مهمة:

– اولها ان رئيس مجلس الوزراء يتعاطى مع الواقع بشكل مختلف عما تعودت عليه القوى السياسية، حيث ينأى بنفسه عن الازمات ويبتعد عن التعليق المباشر والظهور الإعلامي أو إصدار البيانات إلا ما ندر.

– العامل الثاني يتمثل في كون الرئاسات الثلاث (رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس النواب) يعملون بشكل متجانس وبتفاهم عال فيما بينهم، والتنسيق بينهم هو سيد الموقف على عكس ما كان سابقا عندما كانت الخلافات والتقاطعات بين الرئاسات الثلاث هي سيدة المشهد في أغلب الاوقات.

– العامل الثالث يكمن في وضع الاحزاب والقوى السياسية التي تعيش خلافات وانشقاقات في اكثر الاوقات. هناك منافسة شديدة بين القوى السياسية المختلفة على اكمال الكابينة الوزارية، القوى الشيعية على خلاف بشأن من يتولى منصب وزير الداخلية، والقوى السنية على خلاف حول من يتولى وزارة الدفاع والكورد على خلاف من يتولى وزارة العدل. الجدال العميق يتجلى عند توزيع المناصب التي تدار بالوكالة كما نص عليها قانون الموازنة الاتحادية، فهنالك ٤٥٠٠ درجة خاصة تدار بالوكالة، واصبح تغيير او تثبيت هذه المناصب واجبا قانونيا لا مفر منه والاحزاب تعمل على قدم وساق لتأمين حصتها من هذه المناصب المهمة في الدولة.

وبالرغم من الهدوء النسبي، الا ان شهر العسل الحكومي طال أمده، والعد التنازلي لبعض الازمات التي قد تعصف بها بات يلوح في الافق مثل اقتراب موعد الصيف اللاهب وتوتر العلاقة بين الاقليم والمركز بسبب العائدات النفطية وأزمة علاقات أميركا و ايران والحصار الاميركي القادم، خصوصا بعد التصريحات النارية من المسؤولين الاميركان في بغداد وتصريحات وزير الخارجية الاميركي حول عدم تجديد استثناء العراق من العقوبات المفروضة على ايران.

 اميركا ابلغت الجانب العراقي بشكل مباشر وصريح، انها ليست على استعداد لتجديد الاستثناء وعلى العراق ان يكشف عن نواياه حول استيراد الغاز الايراني لمحطات الكهرباء. اميركا تريد الضغط على العراق لاستثمار الغاز الطبيعي الذي يتم حرقه في العراق بدل استثماره، كما انها، أي الادارة الاميركية ترغب في ان لا يصبح العراق منفذا لايران لكسر الحصار، فهي على دراية تامة بما قد يحدث لو منح العراق استثناء جديدا.

عجلة الانتخابات الاميركية بدأت بالدوران والرئيس الاميركي لديه النية بان يرشح للسنوات القادمة ومن الواضح بان اللوبي الاسرائيلي يعمل بقوة مع أركان حكومته وخصوصا صهره الذي لديه صلات عميقة باسرائيل، وهو يشرف بشكل مباشر على الملف الفلسطيني الاسرائيلي في البيت الابيض.

الرئيس الاميركي أنجز ماكانت تتمناه اسرائيل لعقود من الزمن وفشلت في اقناع الرؤساء السابقين باعلان اعتراف اميركا بالقدس عاصمة لاسرائيل، الا ان الرئيس ترمب ذهب الى اكثر من ذلك حينما نقل السفارة الاميركية الى القدس وسط احتجاجات عاصفة في البلدان العربية، كما اعترف بالجولان كأراض اسرائيلية في وقت يرفض فيه المجتمع الدولي هذا القرار جملة وتفصيلا.

هذه المواقف دليل واضح على التأثير الاسرائيلي الكبير على البيت الابيض وهو ذات التأثير الذي يتجه نحو تصاعد الموقف الأميركي من ايران، لذلك من المحتمل ان نرى الحصار الاميركي على ايران يأخذ منحى آخر، وبالنتيجة سيصبح العراق تحت الضغط الاميركي ايضا، علما ان العراق لا يمتلك مقومات معارضة او تجاهل هذا الضغط لأن الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل كلي على النفط والدولار، وفي حال شمول العراق بالحصار أو بالعقوبات فان نتائج ذلك ستكون وخيمة.

مع تزايد الضغط الخارجي (الاميركي) فان الضغط الداخلي لا يقل اهمية. هناك تعاطف كبير مع الشعب الايراني داخل العراق لأن العراقيين عاشوا سنوات الحصار في تسعينات القرن الماضي وذاقوا ويلات الحصار، ولا يتمنون ان يعيش الشعب الايراني ذات الويلات، كما ان القوى السياسية العراقية وبالاخص الشيعية منها تثمن موقف الحكومة الايرانية في دعمها لمحاربة داعش من خلال المساعدات العسكرية واللوجستية التي قدمتها للعراق بعد اجتياح داعش للعديد من المحافظات العراقية. هذا الشعور بالتعاطف والامتنان للدور الايراني يولد ضغوطا داخلية على الحكومة لعدم الامتثال للقرار الاميركي بل يشكل لوبيا قويا ضد الحصار لحث الحكومة على مساعدة ايران في محنتها.

في ذات الوقت، فان ايران لا تريد ان تقف مكتوفة الايدي ولديها النية بالرد على القرار الاميركي، وخصوصا في مناطق نفوذها في المنطقة وقد تلجأ لممارسة الضغوطات على حلفاء اميركا في المنطقة وهناك من يذهب نحو التصعيد العسكري في مضيق هرمز ولبنان وسوريا والعراق، لم يصدر من الجانب الايراني اي رد رسمي صريح بالتصعيد باستثناء التنديد بالقرار الاميركي، فيما تعمل الديبلوماسية الايرانية على اقناع شركائها واصدقائها بعدم الانصياع لهذا القرار المجحف حسب وصفها.

ليس خافيا ان كلا من ايران واميركا لديهما مجموعة وسائل للضغط على العراق، حيث تحمي أميركا الاصول والاموال العراقية في الخارج، واذا قررت رفع هذه الحماية، ستصبح هذه الاموال عرضة لخطر من الذين يدعون بان العراق مدين لهم في الماضي ويرفعون القضايا للمطالبة بها لدى المحاكم الدولية. كما ان اميركا بامكانها وقف التعاملات المالية مع المصارف العراقية وهذا بحد ذاته يشكل خنقا للاقتصاد العراقي لأن العراق يعتمد بالدرجة الاولى على النفط والدولار، كما ان تعاملات المصارف العراقية تتم من خلال المصارف الاميركية مثل جي بي مورغان. كما ان المساعدات التي يتلقاها العراق من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرهما من المنظمات المالية العالمية تأتي بمباركة اميركية وفي حالة وضع العراق ضمن اللائحة السوداء سيصعب عليهم التعامل معه.

ولدى ايران نفوذ شعبي وسياسي وثقافي في العراق وبامكانها الضغط على الحكومة من خلال اصدقائها في البرلمان وداخل المؤسسات العسكرية والحكومية، كما ان ايران لديها الكثير من وسائل الضغط غير المباشر فيما يتعلق بالحرب ضد داعش ومنع تسلل الارهابيين من سوريا الى العراق، كما ان بامكانها تحريك الشارع العراقي من خلال الاستنجاد بالعاطفة المذهبية كونها تحت الحصار والمظلومية، والتي سيكون لها أثر كبير في نفوس العراقيين. كما ان العراق يستورد بما قيمته ١٢ مليار دولار من المواد الاستهلاكية من ايران والتي اصبحت تشكل حاجة ملحة للعراق.

في الوقت الذي يجب على العراق ان يتطلع لمصلحته اولا، فعليه مراعاة مصالح شركائه ايضا ولذلك من الافضل ان يمسك العصا من المنتصف وينأى بنفسه عن الصراع بين الطرفين، وهذا سهل القول لكنه صعب التطبيق.

ليس خافيا ان العراق بحاجة الى التعامل مع ايران واميركا على حد سواء، ولدى العراق مصلحة مع كل منهما بشكل او باخر وليس بالامكان التخلي عن احدهما لصالح الاخر. ولهذا السبب، يجب على الحكومة تنسيق واطلاق حملة ديبلوماسية قوية في واشنطن لبيان وجهة نظر العراق من الحصار على ايران وموقع العراق الداعم للعلاقة الطيبة والوثيقة مع الشعب الايراني وضرورة تطوير هذه العلاقة بما يخدم المصلحة العراقية. كما على العراق تفادي العقوبات ومنع ادراج اسمه في القائمة السوداء الاميركية من خلال اتخاذ خطوات جريئة لتقليل اعتماده على الغاز الايراني وتطوير حقوله الغازية وخصوصا ان الغاز العراقي يتم احراقه في الحقول بدل جعله موردا اضافيا للدخل القومي، فاحراق الغاز يكلف العراق خمسة ملايين دولار يوميا، اي ما يعادل ١٥٠ مليون دولار شهريا.

ان تطوير الحقول الغازية والاعتماد على الغاز المستخرج سيكون سببا بزيادة الدخل العراقي بمليارات الدولارات سنويا ويعزز مكانة العراق في اسواق الطاقة. ويجب على العراق ان يبين للجانب الايراني انه ليس من مصلحة العراق وايران بان يتزعزع الوضع الامني والاقتصادي العراقي، فالعراق بلد بحاجة الى استقرار ويجب ان يصبح بمنأى عن مشاكل ايران وعليه يجب على الجانب الايراني مراعاة ذلك والعمل على تجنيب العراق ويلات الحصار والعمل معه بشكل لا يثير حفيظة الاخرين. فالعراق يبقى مهما لايران وايران ستبقى بحاجة للعراق ولكنها بحاجة لعراق قوي وليس إلى عراق ضعيف.

ان الحكومة العراقية بحاجة الى تشكيل خلية ازمة عالية المستوى من الرئاسات الثلاث والوزراء المعنيين ورؤساء الكتل السياسية وعلى هذه الخلية العمل بديبلوماسية عالية من اجل المصحلة العراقية والعمل مع الجانبين الاميركي والايراني من اجل ايجاد حلول وسط بما يتعلق بالشأن العراقي، فليست الحكومة وحدها المعنية بهذه المعضلة وانما جميع الشركاء السياسيين بل وحتى قوى الشعب ونخبه معنية بهذه الأزمة، والمسؤولية هنا تقع على عاتق الجميع دون استثناء.

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل