Shadow Shadow

* ياسين البكري

“تجريف الدولة الريعية” خطوة لا مفر منها لتعديل المسار

23:52 الإثنين 11 مارس 2019
article image

 

 

*ياسين البكري

الرهان على إصلاحات سياسية لن يكون كافياً، المسار الأحادي سيكون خاطئاً رغم الإغراءات كونه يحقق مكاسب ذاتية للقائد السياسي وبعض أجزاء الطبقة السياسية ويقدم تطمينات مهدئة وقتية لقلق الشعب.

العمل على الاصلاحات السياسية الفوقية سيجابه بردود فعل رافضة من مراكز القوى السياسية العراقية التي تملك القدرة على تعطيل اي تغير وبآليات دستورية لن يتمكن اي رئيس وزراء تجاوزها في ظل شروط اللعبة السياسية المتعارف عليها منذ 2003.

الإصلاح الإقتصادي والإداري ضمن الظروف الحالية (تداعيات حرب داعش، المديونية العالية، فوائدها، أعباء إعادة الإعمار، إرتفاع نسبة البطالة)، يمثل ميزة لان الإجراءات تاتي إستجابة لأزمة لن تقل تداعياتها عن أزمة داعش ، إن لم تكن بذاتها شروط مناسبة لظهور شكل جديد من قوى التطرف و قدرة تعديلها وتحريكها باصلاحات سياسية فقط لن تعدل بيئة عدم الإستقرار ، بمعنى ان نغير دفة القيادة المعمول بها في العراق منذ الطفرة النفطية وتتابع الحكم الفردي حين أصبحت السياسة تقود الإقتصاد .

تعديل التشوهات الهيكلية في الإقتصاد العراقي نقطة شروع مستعجلة ويعيد التوازن للمعادلة ، ويجعل الاقتصاد هو المسير لسياسات وتوجهات الدولة ويمنحها زاوية نظر أوسع وأعمق وأبعد ، بعيداُ عن ارتجالية القرار السياسي المحكوم بالتجربة العراقية بمصلحة رأس هرم السلطة وردات الفعل، أو معالجة الأزمة بالأزمة أو تأجيلها.

تنمية القطاع الخاص بالتشارك مع الدولة في المرحلة الاولى وبدعمها سيمثل بداية إعادة الوزن للطبقة الوسطى غير المعتمدة على الدولة وظيفياً وتوسيعها ستفرز لاحقاً تياراً مدنيا أميناً لمصالحه ويملك قاعدة يرتكز عليها، فالمصالح هي المحرك.

الحاجة ماسة لمبضع الجراح الإقتصادي لإزالة الترهلات التي تمتص فائض الناتج الريعي، هو ذاته سيعيد رصف تلك الترهلات بشكل قوى منتجة إقتصادياً وفاعلة على مستوى التغيير الطبقي والسياسي وتغيير الوعي .

لن نستطيع أن نراهن على طبقة وسطى بمعيار الدخل فقط، ومعتمدة في حياتها ومعاشها على الدولة، وهو أحد اسباب تغول السلطة وضعف التيار المدني العراقي الذي لم يستطع أن يجذب مناصرين خارج إطار الشريحة المثقفة التنظيرية ، فالشرائح الاجتماعية بمعظمها ملتصقة بالمشغل الأكبر (الدولة والاحزاب التي تهيمن على مواردها ) ومنفصلة عن تيار التمدن والتحديث وبناء الدولة، ولن تجذبها الاطر الفكرية في نقد الاسلام السياسي والدعوات الإعلامية للتمرد على الفساد وإعادة وزن الفرد بمعيار المواطنة ومساوئ الاستقطابات الطائفية ومحاسن العلاقات الإجتماعية المركبة وسيادة القانون، التي بمجملها تشكل الوعي للرد على التردي العام في الواقع العراقي، غير انه يبقى وعياً شكلياً زائفاً وفوقياً لم يصمد امام المصلحة المباشرة وإغراء مال الأحزاب ووعودها والمخاوف المتجذرة من غضب الدولة المشغل الاساس للقوى العاملة (4 مليون موظف/ 3.7 متقاعد / 2 مليون شبكة الحماية الإجتماعية)، ولن يصمد في ظل إشتراطات الدولة الريعية الواعية منها والغاطسة.

إن وعي المصلحة أكثر رسوخا من وعي الوعظ والتثقيف الفوقي، ودافعيته كبيرة ، ويمكن تصنيفه ضمن الغرائز الأساسية لتحديد التوجهات والميول والمواقف.

يصح هنا التأكيد إن تعديل التشوهات الإقتصادية والخروج من أبوية الدولة سيقود لتعديلات اجتماعية في موازين القوى وتصنيفاتها الطبقية ويفرز تدريجياً قوى سياسية معبرة عن نفسها ومصالحها الطبقية والمدنية .

التثوير (وليس الثورة) نقطة مهمة في تسريع الإصلاح وربما قروض دعم القطاع الخاص لو وضعت باطار إصلاحي محكم المنافذ على قوى الفساد، ورؤية إقتصادية منزهة من الدوافع السياسية ومغلق الثغرات على الفاسدين ربما يكون نقطة بداية لخلق الطبقة الوسطى .

السؤال الذي يثار، هل يمكن أن تٌقدم الطبقة السياسية الحاكمة الان على خطوة تضر مستقبلاً بوزنها وتغير توجهات قواعدها الحزبية والإنتخابية ؟

ربما تقدم على ذلك لاكثر من اعتبار، منها عدم وعيها بالآليات العميقة للتغيرات الإجتماعية والسياسية المرتبطة بالإقتصاد، والثاني لانها مجبرة على التغيرات من واقع دخولها أزمة بنيوية خانقة تحتاج إجراءات عاجلة ، والفشل بذلك سيجعلها في الوقت الراهن امام تحدي وجودي قد تطيح بها النقمة الشعبية العارمة التي تستعر وراكمت خزيناً لا يستهان به منذ تظاهرات 2011 حتى أحداث شباب البصرة 2018، وقد تواجه في صيف 2019، مجابهة غير مضمونة النتائج في حال استهانت أو سوفت، والطبقة السياسية مع كل رعونتها تملك مجسات خطر نمت من واقع التجربة، وتعي الان إنها بين خيار التغيير أو الإندثار، ولن يفوتنا الإشارة لمتغير صراع الطبقة داخل المكون الواحد

اذن طول فترة الأزمة الإقتصادية وتقلبات دخل الدولة الريعية وطريقة إدارته عند مستوى عدم الإنهيار وعدم الإنتعاش وتزايد المطالب قد يكون مدخلاً لتغيرات إقتصادية و اجتماعية وسياسية سنخضع لأعراضها المؤلمة، لكن سيقطف ثمارها الجيل القادم بعد 20 سنة في واقع سياسي وطبقي مختلف.

 

 

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل