Shadow Shadow

بوبجي (pubg): ساحات معارك اللاعبين المجهولين

12:23 السبت 06 أبريل 2019
article image

*بيان البكري

أن تبقى على قيد القتال، هو ذا التوصيف الممكن للعبة أخذت مدى كبيرا من عقول وحياة المراهقين، اللعبة التي تمت صياغتها بأمانة كبيرة لفكر اليوم، فكر عصر ما بعد الحداثة في مرحلته الثانية المتجاوزة للفردانية البحتة نحو الفردانية الجماعاتية، لقد أعلنت اللعبة انتهاء الاهتمام بالفرد المنعزل وصاغت صورة جديدة لفردانية تعمل وفق إطار جماعات مؤقتة.

لكي تقاتل يتوجب عليك أن تقرر الدخول في عالم موازٍ لعالمك، عالم أكثر واقعية من عالمك المشهود، تترك هذا العالم غير الواقعي الذي تعيش فيه لتقصد عالما أكثر واقعية وحقيقية، فبالنسبة لمصممي اللعبة ومزاوليها فإن عالما ليس فيه قتال لا يمكن أن يعاش فيه ولا يمكن أن يكون حقيقيا، عالم اللعبة ليس استعارة إذن من العالم الحقيقي، بل هو صورة مثلى للعالم كما يجب أن يكون عليه، إنه العالم وقد أعيد صنعه ليكون أكثر أمانة في تصوير حقيقته.

وبمجرد أن تدخل عالم اللعبة يتوجب عليك أولا أن تختار مع من ستلعب، واختيارهم هذا قائم على إمكانيتين، فهناك أولا إمكانية اختيار من تعرفهم أو تربطك بهم صلة قربى أو صداقة ما ليكون اللعب معهم أكثر متعة، ولكي يمكنك بعد انتهاء القتال أن تستمتع معهم بتداول حكايات القتل وبطولاتك فيه.

الخيار الثاني أن تقرر اللعب مع جماعة مختلفة عنك لا تعرفهم ولكنهم حاصلون على مستويات عالية من التقانة القتالية، بناء على مستويات عالية من النجاة ومن عدد المقتولين، فكل واحد من اللاعبين المعروضين أمامك على الشاشة السحرية الحقيقية تم تثبيت مرتبته التي وصل إليها بعد معارك عديدة خاضها من أجل القتال والبقاء.

اللعبة لعبة قتال من أجل البقاء في الظاهر ولكنها لعبة قتال في الأساس، إذ يتجمع مائة لاعب من مختلف أنحاء العالم ليشتركوا في اللعبة، وهي بهذا لا تعتمد على أخلاقيات القتال القديمة، لأن القتال هنا يريد أن يتخلى عن الأخلاقيات التقليدية وأن يكون قتالا من أجل القتال فقط.

ولا يرتبط بك الذين تختارهم لكي تلعب معهم -سواء أكان خيارك من معارفك أو من الغرباء- بأي علاقة دينية أو قومية أو مذهبية أو عنصرية، المهم أن تختار من يمكنك معهم الوصول إلى مبتغاك الأخير، أن تكون استعارة للقاتل الأفضل في العالم، القاتل الذي يقتل جميع اللاعبين ليعيش حالةً ألوهيةً فريدة تتمثل في فراغ العالم من كل شيء إلاك، لكي تشعر بنشوة الصمت الذي يعقب النهاية.

ومن المؤكد أنك لن يكون بإمكانك قتل مائة لاعب ولكن هؤلاء المائة سيدخلون في احتفالية قتل واسعة النطاق، يقتل بعضهم بعضا، وفي النهاية يمكنك أن تحصد حتى قتل الآخرين للآخرين ليكون قتلا لك للآخرين، الآخرون الذين يجب أن يقتلوا لكي تبقى أنت على قيد القتال.

ومع اختيار اللاعبين يتوجب عليك أن تختار استراتيجيتك الخاصة للعب القتل، وهناك على العموم استراتيجيتان رئيستان تتفرع عنهما الكثير من الاستراتيجيات، عليك أن تختار بين المواجهة المباشرة والتخفي، أولاهما يختارها بالتأكيد المقاتلون الذين يعجبهم القتال، والثانية يختارها الذين يعجبهم القتل، الأولى سيختارها المقاتلون أنفسهم، والثانية سيختارها القادة، الأولى سيختارها الباحثون عن متعة القتل المستمر، والثانية سيختارها الحاصدون ولكنهم الجبناء الفائزون بقتل الجميع.

تدخل أرضية المعركة وتبدأ بجمع الأسلحة المفيدة والمهمة، وهنا سيواجهك إشكال أنك ربما تُقتل قبل أن تحصل على سلاح واحد، قد تُقتل وأنت ما تزال محلقا في السماء ولما تنزل بعد الى ساحة المعركة، لأن هناك من وصل قبلك بالصدفة قرب سلاح ولاحظ توجهك نحو السلاح نفسه، عليك أن تقتل الآخرين حتى لو كانوا عُزلا، لا تتوفر هنا الأخلاقيات التقليدية القائمة على نزاهة القتل، فعلى ساحة القتال كل القتل مباح، ولا وجود للضمير الذي يؤنب ما دام الاستمتاع بالقتال هو الغاية.

وإذا سمح لك الحظ بالوصول قبل الآخرين فعليك أن تمارس القتل نفسه بلا رحمة ولا تفكير، لأن بقاءك مرتهن بموت الآخرين، حاول إزاحة أكبر قدر ممكن من الناس عن طريقك لأن الآخرين الذين لا تقتلهم ربما سيقتلونك، حاول أن تزيحهم من أمامك وأن تقودهم نحو قبورهم لكي تنتشي ببقائك المقاتل الأفضل.

وما أن تحصل على سلاحك الكافي للقتل والمواجهة يجب عليك أن تبدأ رحلة مركبة، هي رحلة بحث عن الآخرين لقتلهم، وفي الوقت نفسه رحلة نحو الوصول إلى المنطقة الدائرية الأخيرة التي تحصل فيها على النجاة ببقائك وقتل الآخرين.

ربما يتوجب عليك أحيانا أن تختبئ وأحيانا أن تركض وثالثة أن تزحف وتحتمي، يجب عليك أن تختار الفعل المناسب في الوقت المناسب والمكان المناسب، على أن تقوم بذلك بمساعدة أصدقائك الذين اخترتهم بوصفهم فريقك المرافق وبالتنسيق معهم.

إنه قتال سوفسطائي إن أمكن القول، قتال لا يستند إلى مبدأ أو قضية ولا إلى دافع أو رغبة سوى القتال نفسه، قتال لا يريد سوى إيقاع الهزيمة بالخصم وتحصيل السعادة بالتفوق عبر القتل المستمر، عليك أن تتجاوز الجميع وترميهم وراء ظهرك، أن تحصل أخيرا على فرديتك، لقد تم في هذه اللعبة تجريد القتال من كل ملحقاته وغدا موجودا لذاته، وكأنما كان يجب عليه أن يبدو كما هي عليه كينونته.

ويقوم القتال على إمكانية التواصل بين المنتمين إلى الفريق القتالي، مما يوفر متعة كبيرة، بحيث يصبح القتال قريبا من متعة الصيد الجماعية التي كان يمارسها الأقدمون، ويبدو أن هذه النزعة بالصيد المشترك والقتل المشترك ظلت محفورة في الوجدان البشري بل أنها قد تطورت في اللعبة بشكل كبير بعد أن تخلت عن المبادئ والقيم الأخلاقية وارتهنت بمبدئها الأساس وهو الرغبة في القتال فقط.

وعلى الرغم من قيام القتال كغاية أخيرة في اللعبة إلا أن هذا القتال قد يتطلب بعض الالتفاتات إلى أمور أخرى تعمل في خدمة القتال في النهاية، فمن الممكن تزويد الصديق بسلاح ما ليخوض قتاله ومن الممكن أن تعالجه إذا تعرض لإصابة ما، على أن لا يكون ذلك على حسابك الشخصي فمن المهم أن تحافظ على نفسك أولا ومن ثم يمكنك التفكير في الآخرين، إنها تقوم على مبدأ أنا أولا ومن الممكن أن يأتي الآخرون في المرتبة الثانية، إنها تقسم العالم إلى مستويين، أنا والآخرون، يتراتب الأنا فوق (الآخرون).

هل يمكن القول أنه قتال بربري؟ في كل الأحوال هو قتال خارج مواصفات وأطر القتال التقليدي الأخلاقية، قلنا عنه أنه قتال من أجل القتال فقط، قتال برابرة فيما بينهم على الحصول على لقب المقاتل الأفضل، الأفضل في القتل والقنص والهرب والخديعة والتخفي والتلون والاستفادة من الفرص والتفكير في المصلحة… إلخ، فهل نعيش اليوم حقبة بربرية جديدة؟.

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل