fbpx
Shadow Shadow

بريطانيا التائهة

15:59 السبت 06 أبريل 2019
article image

رافد جبّوري 

تعيش بريطانيا في واحدة من اكثر ازماتها السياسية حرجا اذ تختلف الطبقة السياسية والمجتمع كله حول موضوع الخروج من الاتحاد الاوربي او البركزت كما يعرف اعلاميا. والبركزت هي اختصار ودمج لكلمتي بريطانيا والخروج اي خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي. يسود الانقسام بشدة في الاوساط السياسية وبين الناس حول كيفية الخروج من الاتحاد الاوربي الذي ترتبط معه بريطانيا بعلاقات تجارية واسعة. القضية وتعقيداتها وضعت كل النظام السياسي البريطاني العريق في ازمة حقيقية.

كان من المفترض ان تغادر بريطانيا الاتحاد الاوربي نهاية شهر اذار مارس الماضي, هذا هو الامر الذي طالما تعهدت به رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا مي لكنه لم يحصل. رفض مجلس العموم البريطاني الاتفاق الذي وقعته رئيسة الوزراء وزعيمة حزب المحافظين مع الاتحاد الاوربي. لم يرفضه مرة واحدة بل رفضة ثلاث مرات في ثلاث جلسات مختلفة على مدى الاسابيع الماضية.

بالاضافة للمعارضة التي رفضت خطة رئيسة الوزراء فقد رفض اعضاء الجناح اليميني من حزب رئيسة الوزراء حزب المحافظين خطتها قائلين بانها سيئة لانها تبقي سيطرة بروكسل على بريطانيا. عارض الخطة ايضا حزب الوحدويين الايرلنديين الشماليين لاسباب تتعلق بقضية الحدود والتجارة والامن في ايرلندا. وايرلندا كما هو معلوم تنقسم الى جمهورية ايرلندا في الجنوب وهي عضو في الاتحاد الاوربي واقليم ايرلندا الشمالية وهو جزء من بريطانيا.

تعود جذور قضية البريكزت الى تيار يميني معاد لوجود بريطانيا في الاتحاد الاوربي ومعاد للاتحاد الاوربي عموما. يستند هذا التيار الى الادعاء بان بريطانيا تخسر اقتصاديا بسبب عضويتها في الاتحاد الاوربي. كما ويؤمن  اصحاب هذا التوجه بان بريطانيا ترتهن بسبب عضويتها في الاتحاد الاوربي الى قادة الاتحاد وهيئاته العليا وهم غير منتخبين. وقد ادى متغيران اساسيان في السنوات الاخيرة الى تزايد قوة هذا التيار وهما التوسع الجغرافي للاتحاد وضمه لدول من اوربا الشرقية مثل بولندا و جمهورية التشيك وبلغاريا ورومانيا تختلف في اوضاعها الاقتصادية وثقافتها السياسية عن الدول الغربية التي اسست الاتحاد او انضمت له مبكرا مثل المانيا وفرنسا وهولندا وبريطانيا نفسها.

وبالنسبة لبريطانيا ادى هذا الى تدفق هائل للمهاجرين من اوربا الشرقية اليها. اما المتغير الاخر فهو ازدياد القوة السياسية للاتحاد الذي بدا في الماضي اتحادا جمركيا وسوقا مشتركة لكنه شكل مجالس تنفيذية في السنوات الاخيرة وبنكا مركزيا طبعا قبل ذلك, اي منذ اصدار العملة المشتركة اليورو قبل عقدين من الزمن.

ورغم ان بريطانيا لم تنضم لا للعملة الاوربية الموحدة ولا لاتفاقية الغاء الحدود او الفيزا المشتركة المعروفة بالشينغين الا ان بعض البريطانيين احسوا بالضيق من التوسع السياسي للاتحاد الاوربي واعتبروه تهديدا لاستقلالهم.  تمكنت الاوساط المعادية للاتحاد الاوربي من الضغط على حزب المحافظين المنقسم اصلا بين جناح يميني معاد للاتحاد الاوربي وجناح وسطي مؤيد له. و في محاولته لتحشيد اصوات الناخبين من الاوساط المعادية للاتحاد الاوربي في انتخابات عام الفين وخمسة عشر وعد رئيس الوزراء السابق المحافظ ديفيد كاميرون بتنظيم استفتاء شعبي عام حول مسألة الخروج من الاتحاد و كان ذلك واحدا من اكثر القرارات اثارة للجدل في التاريخ البريطاني الحديث.

فاز كاميرون في الانتخابات لكن البريطانيون صوتوا في العام الذي تلاها اي عام الفين وستة عشر باغلبية ليست بالكبيرة وهي اثنان وخمسون في المائة لتأييد الخروج من الاتحاد الاوربي. ليستقيل كاميرون الذين كان يريد البقاء في الاتحاد ولينزوي في عزلة سياسية لن يعود منها على الاغلب.  جاءت تيريزا مي بعد كاميرون وقد كانت وزيرة الداخلية في حكومته. وبعد ان كانت من اشد مؤيدي البقاء في الاتحاد تحولت في انتهازية سياسية صارخة الى موقف مؤيد للخروج منه ووعدت بانها ستعمل على تنفيذ البريكزت بل واشتهرت بعبارتها الفجة بريكزت تعني بريكزت. في الحقيقة لم يكن احد يعلم تماما ما الذي تعنيه بريكزت عندما حصل الاستفتاء لذلك استمرت بريطانيا في جدل دائم حول كيفية الخروج وهل يكون ناعما اي باحتفاظ بالعلاقات الوثيقة مع الاتحاد ام خشنا يتمثل في الانقطاع عن اي رابطة مع القارة الاوربية.

انتهت حيل تيريزا مي السياسية بعد عامين ونصف ولكنها ما تزال متمسكة بمنصبها. يذكر انها دعت الى انتخابات مبكرة عام الفين وسبعة عشر ورغم ان استطلاعات الراي كانت في صالحها الا انها خسرت الغالبية في مجلس العموم لتبقى معتمدة على الاحزاب الاخرى وهذا يفسر خساراتها المتكررة في المجلس عدم استطاعتها حشد التأييد الكافي لخطتها.

اخر ما لجأت اليه مي هو الحوار المباشر مع حزب العمال المعارض وغيره من احزاب المعارضة من اجل خطة تسوية تؤدي الى دعم واسع في البرلمان لكن هذا غير مضمون في المقابل يستمر العد التنازلي قبل الموعد النهائي الذي وضعه الاتحاد الاوربي امام بريطانيا وهو الثاني عشر من شهر نيسان ابريل الحالي لمغادرة الاتحاد باتفاق او بدون اتفاق. اذا غادرت بريطانيا بدون خطة او اتفاق منهجي بينها وبين الاتحاد الاوربي فستقرر العلاقات بين البلدين على اساس قوانين التجارة العالمية وهو امر غير مضمون النتائج. في الحقيقة يسنطيع المرء ان يصف اشياء كثيرة في السياسة البريطانية اليوم بانها غير مضمونة. هذا ما فعلته حكاية الاتحاد الاوربي بالدولة صاحبة التاريخ المعروف وصاحبة خامس اكبر اقتصاد في العالم.

نقلاً عن الزمان 

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
close

على مدار الساعة

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل