fbpx
Shadow Shadow

الولايات المتحدة قتلت قاسم سليماني*

15:27 السبت 04 يناير 2020
article image

مايكل يونغ

في وقت مبكّر من صبيحة 2 كانون الثاني/يناير، نفّذت الولايات المتحدة في مطار بغداد عملية اغتيال مدروسة لقاسم سليماني، قائد فيلق القدس، المسؤول عن وحدة العمليات الخارجية في الحرس الثوري الإيراني. كما قُتِلَ في الهجوم أبو مهدي المهندس، الشخصية البارزة في قوات الحشد الشعبي وقائد كتائب حزب الله الذي استهدفته الولايات المتحدة، علاوة على أشخاص آخرين، في هجمات جوية شنّتها الأسبوع الماضي.

كانت نيويورك تايمز نسبت إلى مسؤولين أميركيين قولهم أن الرئيس ترامب هو الذي أعطى الضوء الأخضر للاغتيال. كما أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أن “اللواء سليماني كان يطوّر بدأبٍ خططاً لمهاجمة دبلوماسيين وعناصر عسكرية أميركية في العراق وفي كل المنطقة”. وبعد عملية الاغتيال، نسب الإعلام الإيراني إلى المرشد الأعلى الإيراني أية الله خامنئي قوله أن “كل أنصار المقاومة سيطلبون الثأر لسليماني”.

لدى الأميركيين العديد من المبررات لقتل سليماني، فهو كان رأس الحربة في عمليات إيران ضد الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. ومع ذلك، قرار اغتياله كان بمثابة تصعيد ملحوظ ضد كل من إيران والدولة العراقية: فالاغتيال لم يُنفَّذ في مطار بغداد وحسب (الأمر الذي أهان العراقيين)، بل قامت أيضاً واشنطن عبره بتسليط الضوء بشكل غير مباشر على حقيقة أن سليماني كان يصول ويجول كما يشاء في العراق، ماعنى أن البلاد باتت مجرد حلبة للتنافس الأميركي- الإيراني. صحيح أن هذا الأمر كان واضحاً قبل ذلك للكثيرين، لكن ستكون له مضاعفات على الوجود الأميركي في العراق مستقبلا، إذ هو قد يُغلق عملياً فصل التعايش الصعب بين الأميركيين والإيرانيين.

كان سليماني الوجه الأبرز لطموحات إيران الإقليمية. فهو كان ينشط في منطقة شاسعة تمتد من العراق إلى سورية ومن لبنان إلى اليمن. ولذا، ستكون إيران حريصة على أن تُظهر أن مصرعه لن يؤثّر على خططها الإقليمية، وأن في حوزتها لائحة طويلة من الردود المحتملة. وبالتالي، قد يُصبح الدبلوماسيون والعسكريون وحتى المدنيون الأميركيون في أرجاءالمنطقة، ناهيك عن حلفاء أميركا الرئيسيين، هدفاً للانتقام الإيراني. طهران مضطّرة حكماً لاستعراض قدرات ردع قوية، خاصة وأنها تُواجه الآن ما تعتبره معارضة مثيرة للتوتر من جانب حركات شعبية في العراق وإلى درجة أقل في لبنان، إضافة إلى تحديات صامتة من طرف روسيا لنفوذها في سورية.

ستكون الحاجة ملحّة للرد بشدة، في مرحلة بات فيها عدم الرضى المحلي من نظام إيران في ذرى شاهقة. وهذا يعود أساساً إلى المضاعفات الاقتصادية للعقوبات التي تقودها الولايات المتحدة، وإلى اتهام العديد من الإيرانيين لقيادتهم بأنها تكرّس موارد ثمينة للشؤون الإقليمية على حساب شعبها. لذلك، سيهدف النظام، من خلال توجيه ضربات عنيفة ضد الأميركيين وشركائهم في الخليج أو إسرائيل، إلى إطلاق إشارة في الداخل مفادها أن الجمهورية الإسلامية لن تخاف ولن تتراجع عن أجندتها الإقليمية.

في المقابل، تبدو الرسالة من منظور الإدارة الأميركية مُلتبسة. فالرئيس ترامب قال أنه لايريد حرباً مع إيران، لكنه مع هذا التصعيد الدراماتيكي أظهر أنه مستعد للانخراط بالفعل في هكذا حرب. وهذا استمرار لحملة “أقصى الضغوط” على طهران التي تستهدف، من وجهة النظر الأميركية، إجبار إيران على قبول شروط واشنطن للحد من برنامجها النووي وتدخلاتها في البلدان العربية. بيد أن إيران تعتبر نفوذها الإقليمي خارج دائرة التفاوض، وستعمد إلى رفع مستوى عدم الاستقرار الإقليمي لتعزيز مثل هذه الرسالة.

يبدو أننا عالقون في منطق الحرب بين إيران والولايات المتحدة، وحلفاء كلٍّ منهما. ربما واشنطن وطهران لاتريدان ذلك، لكن إدارة ترامب، عبر إقدامها على اغتيال سليماني، أظهرت أنها مستعدة لمجابهة سياسات إيران الإقليمية، وبالقوة إذا اقتضى الأمر. إذن، لاسبيل أمام الإيرانيين للخروج من هذا الوضع سوى المغالاة في التصعيد ليظهروا للأميركيين أن انتهاج هذا المسار سيكبّد واشنطن أكلافاً باهظة. ونظراً إلى تمنّع دونالد ترامب عن خوض حرب مع إيران، واقتراب الحملة المزمعة لإعادة انتخابه رئيساً، يراهن الإيرانيون على واقع أن الرئيس الأميركي ربما لايتحرّق شوقاً في الوقت الراهن لبذل الغالي والنفيس من أجل احتواء طهران.

مع ذلك، ينبغي على النظام الإيراني أن يلزم الحذر. فإذا ما قرّر الأميركيون، ربما بالتنسيق مع إسرائيل، شنّ ضربات انتقامية على إيران وبنيتها التحتية الاقتصادية، سيلحقون أضراراً كبرى بالاقتصاد الإيراني الهش أصلاً، كما سيحشدون في صفّهم الدول العربية المناوئة للجمهورية الإسلامية، الأمر الذي من شأنه أن يضعف النفوذ الإيراني في أرجاء العالم العربي. وفي حين أن الصين وروسيا قد تمنحان إيران دعماً دبلوماسياً، إلا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يسعى إلى الإفادة من التراجع الإيراني لتوسيع نفوذ موسكو في المنطقة.

غالب الظن أن تغرق المنطقة في لُجج فوضى عارمة. لكن إيران تفضّل تحريك بيادقها على تخوم الدول العربية، مستفيدةً من الأنظمة السياسية المُختلة ومتجنّبةً الانخراط المباشر في النزاعات. وهذا الأمر لم يسمح فقط لطهران بأن تلعب سابقاً دوراً معطّلاً كبيراً على الأرض، بل أثار أيضاً قلق الحكومات العربية التي شهدت بروز ميليشيات خارجة عن سيطرتها وموالية لإيران. إن مساعي تدمير إيران قد ترغم هذه الحكومات على اتّخاذ موقف أوضح ضد الأساليب التي تتّبعها طهران وشبكاتها الإقليمية.

صحيحٌ أننا لم نبلغ هذه المرحلة بعد، لكن اغتيال سليماني يشرّع الأبواب أمام احتمالات جديدة لم تكن الإدارات الأميركية السابقة مستعدّة لاستكشافها. لذا، يتعيّن على واشنطن وطهران أن تحسبا جيّداً كل خطوة تتّخذانها في هذه المرحلة المتأجّجة الجديدة من تاريخ الصراع بينهما. فأي خطأ يقع سيكبّد الطرفين خسائر كبيرة، لذا من الممكن أيضاً أن يقرّرا الابتعاد عن حافة الهاوية لتجنّب الغرق في مستنقع الغموض المدمّر.

*نقلا عن “كارنيغي”

 

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
close

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل