Shadow Shadow

وليد غالب

الوطن ليس أمك

22:58 الأحد 27 يناير 2019
article image

 

*وليد غالب

 

سأدخل بشكل مباشر في الفكرة، لذا أطرحُ على القارئ السؤال الآتي: لماذا يجب على الإنسان أن يُحب وطنه؟

قد يبدو السؤال بديهياً، ويحمل الكثير من الأجوبة التقليدية، مثلاً الوطن هو: الأم أو هو الأب، بيتنا الكبير، السقف، الخيمة. والكثير من هذه الأجوبة الإنشائية.

إنني أجد أن هذه الكلمات التي تصف الوطن، هي كلمات رمزية عاطفية.

يذكر علي حرب أن “حياة الجماعة لا تستقيم من دون صور ونماذج، وبرمز تتخيل من خلاله سعادتها، سواء كان الرمز لفظاً أو إلهاً، طقساً أم إماماً، حدثاً أم مكاناً”.

ولذلك تصف مجتمعات – مثل مجتمعنا – الوطن بالاُم، نجد في محاورة منكسينوس لأفلاطون “وفي هذا المجال تقدم أرضنا التي هي في ذات الوقت أمّنا، الدليل القوي على إنها أنجبت رجالاً، لقد كانت الأولى بل الوحيدة التي أثمرت للبشر غذاء من القمح والشعير، ليقتات عليها الناس بأفضل وأحسن السبل، وذلك لكونها حقاً أماً لهم”.

افلاطون في سطر سابق من المحاورة يقول “وعلى هذا النهج يتضح ما إذا كانت الأنثى أمّا أم لا، فإذا كانت ترضع وليدها فهي اُم، أما إذا كانت لا تملك المصدر الذي تعطي منه القوت فهي ليست كذلك”.

الأمر الواضح هنا، أن أفلاطون يعتقد أن الأم هي التي ترعى إبنها وتغذيه وتقويه وتعدّه، بينما التي لا تفعل ذلك هي ليست اُم، بالنتيجة ليست وطن.

إننا تمسكنا بلفظ الأم فقط، وعكسنا عليه نظرتنا المقدسة لها، فهي في مجتمعاتنا – بشكل عام – واجبة الحب.

لكني اُحب أن أفكك هذه الفكرة، أعني فكرة “وجوب حب الوطن”. ومنطقياً يقودني السؤال السابق، لفكرة أخرى عن حقيقة هذا الحب. فما أريد أن أناقشه أيضاً هو العلاقة بين هذين الكلمتين “الوجوب” و “الحب”.

إن المخيال الشعبي الدارج يُقرر أنّ على الفرد حب الوطن، بل ويتهمه بالخيانة فيما لو قرر التخلي عن هذا الحب، فالوطني حُكم قيمة جيد بين الناس، واللاوطني هو إنسان منبوذ عند الآخرين.

إنني هنا أمام معضلة حقيقية، فلا أحد باستطاعته “فرض الحب” على الآخر، لأن الحب يعيش في مساحة خارج منطقة التفكير.

إن أوامر “وجوب الحب” باطلة، لأنها تعني قدرة الإنسان على توجيه مشاعره العاطفية نحو جهة محددة. وأن عليه أن يفهم لماذا يُحب، ولا يوجد حُب  – يصل حد التضحية – يكون في الوقت نفسه منطقياً، لأنه ببساطة سقوط في النزعة العاطفية، تلك النزعة التي لا تفسح المجال للعقلانية.

لكن. وبرغم ذلك، هناك مناطق يخضع فيها الحب للتفاوض المضمر، فمثلا: حبُ المؤمن لله، ينشأ ببساطة بسبب “الوعود”، وعود بالحماية، أو المكافأة، أو العدالة أو بعدم العقوبة، ومن دون الإيمان بهذه الوعود لا يمكن لإنسان أن تكون علاقته طبيعية مع الإله. لذا نرى غير المؤمنين بالله لا يصدقون بهذه الوعود. وهذا النعيم.

هنا تمكن الفكرة، فهي تتمثل بالاقتناع أو عدمه. لكنه إقتناع يجعلك تعيش في النعيم الأبدي، أما عدمه فسيلقي بك في النار!

ويبدو أن “الوطنيين السياسيين” في مجتمعنا، مهما كانت اتجاهاتهم السياسية، قد استلهموا فكرة اقصاء اللاوطني – غير المقتنع بفكرتهم – من الأديان السماوية، لكنهم يلقونه في خانة التخوين أو العمالة أو الدونية. 

ولأن مبررات الإنسان في الحب أو الإقتناع لا تتساوي بين جميع البشر، فإني أعتقد أن هذا التنوع يجب أن يُحترم، بالضبط كما يجب أن يُحترم من يُغيّر مذهبه أو حتى دينه، على شرط أن يكون “غير المقتنع” لا يدعو لعنف أو لتحريض.

وهناك رأي يقول أن الوطن بشكل مجرّد هو الخارطة الجغرافية الحالية، وكل شخص يحافظ على وحدة هذه الخارطة هو إنسان وطني. إنه هذا التعريف هو تعريف غريب، فمثلاً: هل يمكن اعتبار صدام حسين أكثر وطنية لأنه لم يحافظ على شكل الخارطة فحسب، بل زاد عليها الكويت وغيّر شكلها!

من جانب آخر، فإن معنى “الروح الوطنية” عندنا أمر يجب أن نقرأه بشكل آخر، ففي عام 1999 كتب الفيلسوف الأميركي جون رولز أن الشعوب الليبرالية التي تريد أن تكون تحت حكم ديمقراطي، من النادر أن يجد أفرادها مشاعر وجدانية وثقافية وسياسية مشتركة، أو حتى وعي تاريخي مشترك، إذ إن الغزوات والهجرات عبر التاريخ أدت إلى اختلاط وتمازج بين جماعات لها ذاكرات تاريخية مختلفة. لكنه يعتقد أنه لابد من مشاعر مشتركة تكون “نقطة بداية” أياً كانت تلك المشاعر.

وقبل رأي جون رولز بما يقارب ستين عاماً، كان لملك العراق فيصل الأول نفس الرؤية، لكنه فشل في إيجاد “نقطة البداية” هذه. حيث كتب في وصيته “في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية خالية من أي فكرة وطنية”، ويُضيف “نحن نريد والحالة هذه أن نشكل شعباً نهذبه وندرّبه ونعلمه”.

وبتتبع سيرة “الوطنية” في العراق، أعتقد أن فيصل الأول كان مُحقاً تماماً – بغض النظر عن تطبيقه لفكرته أم لا – فهو يعتقد أن الوطنية “فكرة” تتحصل بالتعليم والتدريب والتهذيب، وليست رمزاً عاطفياً، وباستثناء ثورة العشرين لم يكن هناك إجماع عراقي على موضوع مشترك بين أبناء العراق.

لقد ظلت الروح الوطنية العراقية تائهة، ولا تملك نقطة بداية على حد تعبير جون رولز منذ تأسيس الدولة وحتى الآن، فالملكية مُخوّنة من الشيوعيين والبعثيين وهي تخوّنهم، والشيوعيون مخوّنون من البعثيين والإسلاميين وبالعكس، والإسلامي مخوّن من البعثي وبالعكس، وكل فصيل سياسي عراقي، يحتكر لنفسه الوطنية.

إنني اتساءل هل كان الملك فيصل وطنياً، أم نوري السعيد، أم عبد الكريم قاسم، أم عبد السلام عارف، أم البكر، أم صدام حسين، أم حكومات ما بعد 2003؟!

وعلى أية حال، فمازلت أتذكر سنوات الثمانينات من القرن الماضي. كان الكثير من المواطنين العراقيين يفرّون من الخدمة العسكرية أيام حرب العراق وإيران، كانت الدولة كنظام تعتبرهم خونة، وفي المقابل كان الناس يتعاطفون معهم. لكن كان هناك أيضا جزء آخر من الناس ضدً الفارّين، وهذا يعني إننا غير متفقين على تحديد من هو “الوطني” حتى على مستوى الأفراد في نفس المرحلة الزمنية.

يبدو أن تحديد من يحمل “الروح الوطنية” في العراق سواء كحكام أو أفراد أمر مستحيل، لأن الجهات السياسية “بجماهيرها السياسية” تقوم بإقصاء وإلغاء الآخر، لأن “وطنيتهم” مصنوعة من “الكلمات فقط” وغير متبوعة بخطط سياسية واقتصادية، لذا أجد أن هذه “الوطنية” ستتحول في النهاية إلى دكتاتوريات مصغرة.

بالعودة لرأي افلاطون بأن الوطن هو اُم، وأن الاُم التي لا تُرضع اولادها وتغذيهم ليست اُمّا وبالتالي هي ليست وطناً، يمكن ببساطة ملاحظة خطأ هذا الرأي، وهذا الخطأ ناتج من جعل الوطن كائن بشري، فمن الممكن أن تكون الاُم اُمّا، مع عدم قدرتها على تغذية أولادها لأسباب اقتصادية.

إن الإنسان لا يمكن له اخلاقياً المهاجرة وترك أمه الضعيفة اقتصادياً، لكنه من الطبيعي أن يترك بلده الضعيف اقتصاديا للبحث عن فرص أفضل للعيش.

إنني اعتقد أن الوطن هو المكان المخفف للقلق، وإن على الدولة أن تسعى لتخفيف هذا القلق، حتى يشعر الفرد بالانتماء لهذا المكان.

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

Loading ... Loading ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل