fbpx
Shadow Shadow

آلان م. نوري

المشكلة ليست في ترامب وحده: الانتخابات الأمريكية و شبح تقهقر الديمقراطية

23:37 الجمعة 14 فبراير 2020
article image

آلان م. نوري

قضى الرئيس الأميركي شهره الماضي وهو يُحاكم في مجلس الشيوخ بتهم سوء استخدام السلطة و إعاقة عمل السلطة التشريعية. و كان الحكم الذي أصدره مجلس الشيوخ قد نُقل بشكل خاطئ في العديد من وسائل الإعلام العربية على أنه كان ردا للتهم و تبرئة للرئيس. مرد الوقوع في الخطأ هو سوء الترجمة و الالتباس بشأن معاني المصطلحات القانونية. فما حصل بالفعل هو أن مجلس الشيوخ، الذي تحول إلى مجلس لقضاة يخوله الدستور وحده محاكمة الرئيس بإشراف رئيس القضاء الاعلى في الولايات المتحدة، قد قرر بأغلبية 52 مقابل 48 صوت، رد الدعوى لعدم كفاية الادلة، و يصطلح على ذلك بالانجليزية بـ (Acquittal)، و لم يكن القرار تبرئة للرئيس. اي لم يكن ما يصطلح عليه في الانجليزية بـ (Exoneration). و الفرق بين هذين المصطلحين من الناحية القانونية كبير، فيمكن لقاض ان یصل إلى قناعة أن هنالك احتمال كبير بأن  المتهم قد ارتكب الجرم الذي يحاكم عليه، و لكن الادلة التي توفرت لدى المحكمة لا تكفي للقطع بما لا يقبل الشك بذلك، فتُرد الدعوى لعدم كفاية الأدلة. لا يحق حينئذ للمتهم ادعاء تبرئته من قبل المحكمة. و هذا ما حصل في محاكمة ترامب، إذ رد مجلس الشيوخ الدعوى لعدم كفاية الادلة و لم يعلن برائة ترامب من التهم الموجهة اليه.

وسبب عدم كفاية الأدلة هو أن مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الحزب الجمهوري بأغلبية ضئيلة، قد صوت المرة تلو الأخرى، و بنفس نسبة، لرفض السماع إلى شهود منعهم ترامب من الإدلاء بشهاداتهم لمحققي مجلس النواب، كما رفض المرة تلو الاخرى إجبار البيت الابيض على تسليم وثائق تتعلق بالقضية وأمر ترامب بعدم تسليمها، وهو أمر لا سابقة له في كل محاكمات العزل لرؤساء وقضاة في التاريخ الأمريكي. هكذا فإن مجلس الشيوخ، القائم بمهام المحكمة حسب الدستور، الذي لم يرض أن يستمع إلى شهادة شهود جوهريين و لم يرض ان يطلع على وثائق في صلب القضية، قد قرر رد الدعوى لعدم كفاية الادلة!

الادهى من ذلك، أن محاميي ترامب، أثناء المحاكمة، لجأوا إلى مبدأ في الدفاع كان قد حاول استخدامه الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، و دحضه القضاء الاعلى في حينه، و القائل بأن أي شيء يفعله الرئيس لا يمكن أن يكون منافيا للقانون. و قد ذهب محام ترامب ابعد من ذلك حيث قال بأن حتى وإن كان ما فعله الرئيس منافيا للقانون، وإن هدف منه تحقيق مصلحة شخصية لضمان إعادة انتخابه، فإن ذلك لن يكون جرما يستحق عليه العزل عن الرئاسة، لأنه ببساطة قد يعتقد أن ما فعل هو لضمان مصلحة عامة لا تتحقق إلا بإعادة انتخابه هو! هكذا فأن ما لم يسعف نيكسون و جبره على الاستقالة حتى لا يُعزل في مجلس الشيوخ في حينه، قد نفع ترامب أمام مجلس الشيوخ الحالي الذي قبل منه ما هو أمرّ وأدهى.

ما حصل ليس وليد البارحة، فمنذ أن فاز ترامب بالرئاسة، و الحزب الجمهوري، الذي هو أحد اعمدة النظام السياسي الأمريكي، يتراجع بشكل مستمر عن مواقعه الايديولوجية و هويته السياسية، فبات حزبا لتبرير ما يقوله و يفعله ترامب، وأصبح قادته ينتظرون تغريدات الرئيس ليعرفوا كيف عليهم أن يفكروا مع بداية كل يوم: الأمثلة على ذلك كثيرة مثل انقلابهم على مواقفهم التاريخية في قضية التعامل مع كوريا الشمالية و روسيا و التعرفة الكمركية و حلف الناتو، و القيم العائلية و قضايا عديدة أخرى.

أما فيما يتعلق بهيبة منصب رئاسة الولايات المتحدة، فإن ترامب يوجه في السر والعلن اهانات يومية لهذا المنصب من خلال خرقه للقوانين والأعراف السياسية والادارية للخدمة العامة. وقامت صحيفة الواشنطن بوست بتعداد عدد المرات التي كذب فيها الرئيس، كذبا قابلا للتأكيد، فخلصت إلى انه يكذب علنا بمعدل 15 مرة باليوم أمام الكاميرات و في تغريداته الموثقة في التويتر.

مما سبق يمكن استخلاص أن المنبر الفكري للحزب الجمهوري فيما يتعلق بتصورهم للديمقراطية كمبدأ بات، من الآن وإلى آخر يوم يقضيه ترامب كرئيس، مرادفا للمنابر الفكرية الحاكمة في “ديمقراطيات” البلدان المتخلفة كبلادنا، التي لا تلتقي مع مبدأ الديمقراطية إلا شكلا، بينما هي في الجوهر نظم (تفويضية: Delegative).

وتلتزم هذه التفويضيات من الديمقراطية بمبدأ الانتخاب المباشر للرئيس فقط، و حينها يفترض الرئيس أن انتخابه هو بمثابة تفويض جماهيري يخوله القرار في كل شيء دون أي اعتبار لمؤسسات أخرى تعبر في الديمقراطيات رديفة له و رقيبة عليه. عندئذ، لا يبقى أمام من لا يقبل سياسات و ممارسات الرئيس سوى فرصة واحدة لعزله في انتخابات قادمة.

هذا التراجع الكبير في الفكر و الممارسة السياسية للحزب الجمهوري ليس ناتجا عن كاريزما الرئيس ترامب، بل هو اعمق من ذلك بكثير.

على الصعيد الديموغرافي، يفقد الحزب الجمهوري بشكل متواصل منذ الستينات من القرن الماضي، شعبيته  بين الشرائح السكانية التالية: النساء، الشباب، ذوي الأصول الأفريقية، المهاجرين المكتسبين للجنسية مؤخرا، و الفقراء، و بات حزبا للرجال البيض المسنين الأغنياء. و نسبة هؤلاء إلى عموم سكان الولايات المتحدة هي في تناقص مستمر. هذا يعني أن على المدى البعيد تتعرض هيمنة الحزب الجمهوري إلى التراجع مع كل انتخابات مباشرة يخوضها. و تعتمد مواقعه الحالية في النظام السياسي الأمريكي بشكل متزايد على الآليات المتضمنة في تصميم الدستور الأمريكي منها على سبيل المثال وجود مجلسين يتقاسمان السلطة التشريعية و هما مجلس النواب ومجلس الشيوخ. و بينما تخصَص مقاعد مجلس النواب للولايات وفق النسبة السكانية، و الولاية التي بها سكان أكثر تخصَص لها عددا من المقاعد أكبر من الولاية التي سكانها أقل، فإن مجلس الشيوخ يخصص مقعدين لكل ولاية بغض النظر عن نسبة السكان فيها. وينجم عن هذا أن رأي الأغلبية في مجلس الشيوخ لا يعني بالضرورة أن يكون مطابقا لرأي غالبية السكان في الولايات المتحدة. فمثلا: استطلاعات الرأي اثناء محاكمة ترامب كانت تشير إلى أن غالبية 75% من السكان كانوا يريدون أن يستمع مجلس الشيوخ إلى شهادة الشهود و يطلع على الوثائق ذات العلاقة، إلا ان اغلبية متمثلة بـ 51% مجلس الشيوخ منعت ذلك و انقذت رئاسة ترامب بالضد من ارادة الاغلبية.

مثال آخر هو نظام انتخاب الرئيس الذي يمنح لكل ولاية نسبة من الأصوات تحتسب بالجمع بين آليتين: الاولى حسب نسبة السكان في كل ولاية، و الثانية هي إحتساب عدد ثابت لكل ولاية بغض النظر عن عدد السكان. هذا النظام يتيح إمكانية أن يختار الناخبون بأغلبية الأصوات شخصا، بينما يكون الفائز، حسب هذا النظام، شخصا آخر تماما. و هذا ما اوصل الجمهوريين إلى الرئاسة الامريكية في آخر ثلاث مرات انتصروا فيها في الانتخابات الامريكية، و كان آخرهم الرئيس الحالي ترامب الذي حصلت منافسته هيلاري كلينتون على أصوات فاقت ما حصل هو عليها بثلاثة ملايين صوت، فلم يشفع لها هذا الفارق الهائل و أصبح هو رئيسا للبلاد.

وفي الاطار نفسه يمكن ادراج المناورات التي يقوم بها الجمهوريون، كلما حصلوا على اغلبية في مجلس الشيوخ، بالاستفادة من المبدأ الدستوري الذي يولي القضاة في المحاكم العليا في مناصبهم مدى الحياة، بملئ الشواغر القضائية بقضاة شباب متشددين، من جهة، و تعطيل قدرة الديمقراطيين على ملئ هكذا شواغر  كلما فقدوا الاغلبية في المجلس من جهة ثانية. والنتيجة هي أن ميول شاغلي المناصب القضائية العليا باتت تتعارض بشكل متزايد مع  تطلعات الأغلبية السكانية في الولايات المتحدة.

هكذا، فإن النزعة اللاديمقراطية للحزب الجمهوري و جهوده المنظمة لتقويض أسسها في الولايات المتحدة بات مسارا طبيعيا لهذا الحزب الذي يرى في ازدهار الديمقراطية خطرا على بقاءه. من هنا فإن ترامب، بكل فضائحه المخجلة، قد قدم للحزب امتيازات سدة الرئاسة على طبق من ذهب في وقت تلاشت فيه أحلامهم بالحصول عليها. و المصيبة هي ان هذا الحزب، في انتخابات هذه السنة، ربط مصيره مرة أخرى بمصير دونالد ترامب لأنه (الحزب) غير قادر على الحفاظ على نصيبه الحالي من السلطة إلا إذا خاض الانتخابات مع امتيازات الرئاسة و وراء الرئيس، أي رئيس كان، ما دام من حزبهم. حتى و إن كان غارقا في الفضائح و الخروقات، على أمل أن “شغل الثلاث ورقات” – كما يقول اخوتنا في مصر مزاحا – الذي قام به ترامب في الانتخابات الماضية سوف ينطلي على نسبة كافية من الناس ليؤمن للحزب الرئاسة مرة أخرى. ولكن هذا الزواج بين نزعات ترامب الاوتوقراطية و مخاوف الحزب الجمهوري من الديمقراطية سيُدفع الحزب ضريبة الانتقال إلى معسكر العداء العلني للديمقراطية و الاستخفاف بسيادة القانون. نتائج خطوة كهذه في بلد عملاق مهيمن و مدجج بوسائل دمار البشرية كلها، هي خطر كبير على كل ساكني هذا الكوكب.

فالتنظيم السياسي الذي  تدور دوائر الديموغرافيا ضده، ايا كان و في اي مجتمع كان، مطالَب بتطوير هويته السياسية بما يلائم العصر، لا أن يطلق صرخة: علي وعلى اعدائي، يا رب!

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
close

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل