Shadow Shadow

*محمود الرازي

المساءلة والمسؤولية والسلطات الثلاث

22:05 السبت 29 يونيو 2019
article image

*محمود الرازي

الدول دوماً تواجه محنا أو انتكاسات مختلفة مثلما نحن نواجهها في العراق، والآخرون. فعندما تنتهي من محنة معينة تحاول الدول مراجعة أدائها في كيفية تعاطيها مع المِحنة وتشخيص مكامن الخلل التي سببتها ومكامن القوة التي ساعدت على تجاوزها. وفِي الاعم الأغلب تحصل مراجعات، من قبل مسؤولين تشريعيين وتنفيذيين وقضائيين، وتحدد فيها من (جماعة وأفراد ومؤسسات) التي لم تلعب دورها في معالجة او ردع الخلل الذي أدى الى الانتكاسة. وعليه تحاسب المقصر وتكافئ الذين أحسنوا الأداء.

ولعل من اهم الأهداف من هكذا مراجعات هي لتشخيص مكامن المسؤولية والمساءلة لتتعلم من الدرس القاسي ومحاسبة المعنيين بعدها لإحقاق الحق والعدالة ومحاسبة المقصرين مع إعطاء دروس لباقي المسؤولين بأن المسؤولية شرف ومحاسبة وليس فقط اعطاء صلاحيات وامكانيات وذلك لعلمنا أنه لا يمكن ان تبنى الدول من دون محاسبة ومساءلة.

تستخدم مفردة “المسؤولية” في الغالب بشكل صحيح، اما “المساءلة” فهناك خطأ شائع في تفسيرها وفهم أبعادها، ولهاتين المفردتين معانٍ متميزة تفصل بينهما وبين أدوارهما في بيئة العمل وفي يوميات المواطن مع الدولة وفي كل مكان من الحياة. كما ان هناك اختلافا جوهرياً هاماً بين الاثنين، وغالبًا ما تُستخدم المساءلة والمسؤولية بالتبادل او الترادف ويمكن لسوء الاستخدام هذا أن يؤدي – عن غير قصد-  إلى إلقاء اللوم على طرف غير مسؤول، ويحدث ارتباكاً لا لزوم له ويؤدي إلى ضعف الأداء عند الطرف المعني بالمسؤولية.

دعونا ننظر الى المفردتين في أبسط أشكالهما: ففي المدرسة مثلاً كنا كطلاب مسؤولين عن إنجاز واجباتنا المدرسية في الوقت المحدد، درسنا وطبقنا ما طُلب منا القيام به من اساتذتنا، كنا نتدرب لنكون مسؤولين على امرنا، وهذا شيءٌ جيد. من ناحية ثانية، المعلمون كانوا مسؤولين عنا، كانت مهمتهم هي مساعدتنا في تعلم كيفية تفكيك الحروف الأبجدية، أو تحويل الكلمات إلى جمل مفيدة، أو فهم أسباب أهمية الجبر والرياضيات في يوميات حياتنا. وهذا يعني وجود رؤية لمصممي المناهج الدراسية لما يدور حوله التعليم وكيفية الحفاظ على هذه الرؤية وتطويرها، ومن جهة أخرى، في حال وجود أي خلل جوهري في ادائنا فالمفروض ان يتحمل المعلمون ومدير المدرسة مسؤولية أداء تلاميذهم.

او قد يكون لديك وكالة حكومية او دائرة مسؤولة عن تقديم خدمات معينة للمواطنين، ففي حالة وجود خلل أو سوء تقديم لهذه الخدمات فلا يمكن ان نقبل من مدير عام تلك الدائرة ان يلقي اللوم ويشير أصابع الاتهام اتجاه المقاولين المستقلين المسؤولين عن تقديم هذه الخدمات والذين تم التعاقد مهم لإتمام مهمة محددة ومن ثم نراه يبرء مؤسسته من المسؤولية والمساءلة عن سوء الاداء. وعليه يكون من الطبيعي جداً طرح السؤالين التاليين: من المسؤول عن سوء الاداء؟ ومن الذي يجب مساءلته؟

nasn

الفرق بين المساءلة والمسؤولية

لا يمكن الجمع بين المساءلة والمسؤولية عند الشخص او الطرف نفسه، على الرغم من أن هذين المصطلحين لهما بعض أوجه التشابه، إلا أن بعض الخصائص المميزة تفصل بينهما في مكان العمل. اذ يمكن تقاسم المسؤولية، ويمكنك العمل مع فريق من الناس لتقسيم المسؤوليات. من ناحية أخرى، المساءلة هي شيء يمكن أن يكون محددًا للفرد اعتمادًا على مجموعة مهاراته أو دوره أو مواطن قوته وسلطته. من جانب اخر، فإن المسؤولية معنيّة بتوجيه الطاقات نحو مهمة محددة، بحيث يكون كل شخص في الفريق مسؤولاً عن مهمة معينة لإنجاز ما مطلوب منهم لإكمال المهمة المنشودة. المساءلة من جهة أخرى هي ما يواجه شخص محدد من مسؤولية بعد الانتهاء من العمل وإكماله. أي إنها الطريقة التي تستطيع ان تحدد المسؤول وتسيطر على نتاجات عمل دائرة مسؤوليته.

تركز المسؤولية على الأدوار المحددة مثل وصف الوظائف والاعمال التي يجب أن تكون موجودة لتحقيق الهدف، وعلى العكس من ذلك تلتزم المساءلة بالنجاح في إنجاز المهام الموكلة اليها مع الاستعداد لتحمل المسؤولية عن كل شيء يحدث كنتيجة للإجراءات التي تم اتخاذها من الطرف المسؤول.

عندما يُطرح سؤال حول ما هي المساءلة في مكان عمل معين؟ الجواب هو ان المساءلة هي أحد متطلبات القائد الفعال والمؤثر في مكان العمل، لأنه أخذ على نفسه زمام القيادة لضمان تحقيق المسؤوليات كما هو متوقع. وهذا يعني أنه يجب على القادة فهم التوقعات المطلوبة منهم بوضوح قبل تقديم الالتزامات للمواطنين والجمهور، وقد يتطلب ذلك ان القادة يكونوا مستعدين للتخلي عن عقلية أتباعهم وتركيز جهودهم بطريقة مثمرة لضمان تحقيقهم للنتائج المطلوبة من الجمهور. اذ حتى خلال الأوقات الأكثر غموضاً، فإن القادة الحقيقيين يعتبرون أنفسهم مسؤولين عن النتائج.

او قد يكون لديك وكالة حكومية او دائرة مسؤولة عن تقديم خدمات معينة للمواطنين، ففي حالة وجود خلل أو سوء تقديم لهذه الخدمات فلا يمكن ان نقبل من مدير عام تلك الدائرة ان يلقي اللوم ويشير أصابع الاتهام اتجاه المقاولين المستقلين المسؤولين عن تقديم هذه الخدمات والذين تم التعاقد مهم لإتمام مهمة محددة ومن ثم نراه يبرء مؤسسته من المسؤولية والمساءلة عن سوء الاداء. وعليه يكون من الطبيعي جداً طرح السؤالين التاليين: من المسؤول عن سوء الاداء؟ ومن الذي يجب مساءلته؟

عندما يُطرح سؤال حول ما هي المساءلة في مكان عمل معين؟ الجواب هو ان المساءلة هي أحد متطلبات القائد الفعال والمؤثر في مكان العمل، لأنه أخذ على نفسه زمام القيادة لضمان تحقيق المسؤوليات كما هو متوقع. وهذا يعني أنه يجب على القادة فهم التوقعات المطلوبة منهم بوضوح قبل تقديم الالتزامات للمواطنين والجمهور، وقد يتطلب ذلك ان القادة يكونوا مستعدين للتخلي عن عقلية أتباعهم وتركيز جهودهم بطريقة مثمرة لضمان تحقيقهم للنتائج المطلوبة من الجمهور. اذ حتى خلال الأوقات الأكثر غموضاً، فإن القادة الحقيقيين يعتبرون أنفسهم مسؤولين عن النتائج.

وتعد المساءلة إحدى الطرق المهمة لبناء الثقة في مكان العمل او في علاقة المسؤول في الدولة والمواطن، اذ يثق الناس في القادة الذين لا يسارعون إلى إلقاء اللوم على الآخرين إذا لم تسر الأمور كما هو مخطط لها ولكنهم بدلاً من ذلك يتحملون مسؤولية دورهم في العواقب. ومن جانب اخر تستفيد المؤسسات الخاصة والحكومية من القادة المسؤولين لأنهم قادرون على تحديد المشكلات بسرعة والتوصل إلى حلول ممكنة بشأنها. وعندما يكون القادة مسؤولين عن نتاجات عملهم والإخفاقات المُحتملة فإنه سيخلقون سُنة حسنة لموظفيهم، اذ من المهم إظهار أمثلة للسلوكيات التي يجب على الموظفين اتباعها وبالتالي سيُمثل ذلك رصيداً لتلك المؤسسة وسيزيد من إنتاجيتها.

لنحاول الان ان نطبق المفاهيم أعلاه على الحالة العراقية ومسؤولية السلطات الثلاث في إدارة البلاد. اكيد هناك تطور في الأداء الديموقراطي او التشريعي او الحكومي او القضائي ولكن ايضاً هناك إخفاقات كثيرة وفرص ضائعة اكثر. من ناحية المواطن، يا ترى من عليه ان يُحاسب ويطلب مساءلته على سوء الخدمات او تعقيد فعالية طبيعية من حقوقه مثل الانتخابات، والتي نحن شاهدنا فصولها قبل عام، الى ازمة شرعية او سياسية فضلاً عن هدر الملايين من الدولارات نتيجة سوء التخطيط او الفساد المالي او سوء الادارة والذي رسخ مفهوم الفساد السياسي والمال

صحيح ان هناك مسؤولية على مؤسسات معينة مثل المفوضية المستقلة للانتخابات في سير عملية التصويت وتبعاتها او للوزراء في ضعف تقديم الخدمات، ولكن من الصحيح جداً ان هناك مساءلة للجهات التنفيذية والتشريعية والقضائية المسؤولة عن أداء مؤسسات الدولة، مثل المفوضية، امام المواطنين والناخبين. وعليه يأتي السؤال حول سبب القاء اللوم من قبل المسؤولين على الاخريين من موظفيهم ولكن لا ترى الكثير منهم ممن يتحمل المساءلة في عواقبها ويستقيل او يعاقب. نستطيع ان ننقل الحالة نفسها عند حدوث اخفاق امني كبير او تشريع قانون يحمل في طياته تناقضات قانونية وهلم جرى.

قيادات الشعوب لا تنزل من السماء بل هي صيرورة تطور الأداء الملموس للمسؤول على الأرض نتيجة تحمل المساءلة على أداء مؤسساتهم عند حدوث اخفاقات للأفراد الذين هم مسؤولين عليهم. لنميز بين المسؤولية والمساءلة لكي تتطور عندنا عملية بناء البلاد واعمارها، والا فالبلدان لا يمكن ان تبنى من دون القيادة التي تتطوع لتحمل مسؤولية ادائها.

nasn

يقول الفيلسوف جان جاك روسو : لا حرية دون مسؤولية

 

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل