Shadow Shadow

*أحمد سعداوي

المديح لصدام

21:40 الأحد 10 مارس 2019
article image

 

*أحمد سعداوي

سيبقى صدّام ونظامه الاستبدادي الاجرامي حيّاً في التداول والاستعمال في نقد النظام الحالي، ما دام هذا “النظام الحالي” لم يقدّم حتى الآن ما يمنح الثقة للمواطن بأننا قطعنا الصلة بشكل مؤكد مع كل ممارسات وسلوكيات النظام الاستبدادي السابق، ومع رؤيته في بناء الدولة وفلسفته في الحكم.

استعمال النظام السابق في نقد النظام الحالي غالباً ما يأتي كـ”وسيلة بلاغية” تتّخذ طريقين:

1ـ المشابهة، اكتشاف ما في النظامين من شبه [كما لمّحت في الفقرة الأولى أعلاه].

2ـ المفاضلة: الادعاء بأفضلية ما للنظام السابق على الحالي.

لا تثير المشابهة غالباً أي مشكلة، ويستخدمها الجميع، لكن المشاكل، كلّ المشاكل، تبدأ مع المفاضلة، وهذه، بغض النظر عن الدوافع، تذهب عادة باتجاه:

1ـ التقليل من شأن جرائم النظام السابق، مقارنة بفداحة واتساع الجرائم وأشكالها ما بعد 2003 في الواقع العراقي.

2ـ المماهاة ما بين النظام السابق و”الدولة”، بمقابل صورة التماهي بين النظام الحالي و”اللا دولة” التي تبدو واقعاً لا يحتاج الى دليل لاثباته.

3ـ الاعجاب المسبّق [من ما قبل 2003] أو المستجدّ [بسبب أحداث ما بعد 2003] بالسلطة الاسبتدادية الفردية، وأنها الدواء الفعّال والوحيد لمشاكل مجتمعاتنا المتخلّفة ذات الثقافة الأبوية المتحذّرة، وأن الديمقراطية، بأي شكل جاءت، هي وصفة للفوضى، والدليل ما حصل لدينا ولدى مجتمعات عربية وإسلامية مرّت بتجربة اكتشاف ومحاولة تطبيق الديمقراطية.

 

برأيي الشخصي أن أي محاولة فحص موضوعية لن تنجح هنا، وستبقى “الأهداف البلاغية” حاضرة وبقوّة، حسب موقف صاحب الخطاب المسبّق، نفسياً وذهنياً، من الموضوع. ولكن، تورّطاَ منّي بهذه الاهداف البلاغية، ومحاولة الاقتراب على الأقل من وصف مقنع، فإني أقول تعليقاً على النقاط الثلاث السابقة:

 

1ـ بدل المفاضلة بكمية الاجرام، ما بين نظام سابق وحالي، الأمر الذي يضمر نوعاً من التبرئة للطرف “الأقل إجراماً” وتبييضاً لصفحته، فإنه من المنطقي أكثر وصف النظامين بجرائمه وتسميتها، بالاستناد ليس الى الخطابات السياسية، وانما وصف المؤرخين والمنظمات الدولية وشهود العيان الموثّقين. وفي النهاية إن كان النظام السابق أقل أو أكثر إجراماً فهو ملتصق بالجريمة، وستبقى صفة تلاحقه، مهما قدّمت “الوسائل البلاغية” من مبرّرات لتبييض صفحته.

2ـ علينا أن نتذكر كيف استلم نظام صدّام الدولة وكيف سلّمها. كيف كانت بيد أحمد حسن البكر، وكيف صارت عشية الحرب الاميركية في 2003.

وما هو أشمل؛ كيف كانت الدولة في خمسينيات القرن الماضي قبل انقلابات العسكر، وكيف أصبحت بتلاحق الانقلابات انتهاءً الى سلطة العرفاء ونوّاب الضباط..!

نعم، النظام الحالي هو الحلقة الأخيرة في مسلسل انهيار الدولة، ولكن صدام لم يكن الدولة، وانما حلقة سابقة وخطيرة من حلقات انهيار الدولة.

3ـ استناداً الى صورة المشابهة في بداية كلامنا هنا؛ لا يوجد ما يعزّز أننا فعلاً خرجنا من ثقافة السلطة الأبوية، حتى نشتم الديمقراطية، بل لدينا اليوم بضعة آباء غير ديمقراطيين [بمعنى لم ينالوا سلطتهم بالاقتراع الشعبي] يتحكمون بالنظام السياسي.

ثم ان شكل التوفيقات غير المستقرّة حتى الآن ما بين جذور السلطة الأبوية التقليدية، اجتماعياً ودينياً في واقعنا العراقي مع مقترحات النظام الديمقراطي، حتى مع ضعف الثقة بها من قبل المواطن، تبقى أفضل بكثير من سلطة فرد واحد. فرد واحد يمكن أن يقوم بسرعة باعمال عظيمة، وبنفس السرعة يمكن أن يقوم بكوارث كبيرة [غزو الكويت مثالاً].

.

في النهاية تبقى نقطتان مهمتان:

ـ المحاكمة الاخلاقية للنظام السابق والنظام الحالي ضرورية لبث الحياة في الضمير الوطني والانساني، لكننا لا نستطيع محاسبة العاطفة. العراقيون منقسمون اليوم عاطفياً تجاه كل مراحل التاريخ العراقي المعاصر. لا يمكن أن يتحول النقاش حول الماضي الى هراوات مرفوعة فوق الرؤوس لاسكات الآراء المختلفة والمتنوعة. إن لم يملك من يحب صدام ونظامه الحق في الكلام وابداء وجهات نظره فإننا ننهي النقاش حول الماضي سلفاً، ونكون مثل صدام ورفاقه البعثيين في اسكات الخصوم والمعارضين.

ـ أعيد التأكيد على أن الكثير من حالات استدعاء صدام ونظامه يأتي في سياق بلاغي، لاغاضة واستفزاز رجالات النظام الحالي، أو من يقدّسون النظام الحالي ولا يريدون نقده. وأن هذا الاستخدام البلاغي سيستمر ما دام الكثير من المواطنين لا يثقون بالمستقبل.

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل