fbpx
Shadow Shadow

* مجاهد أبو الهيل

العراقية .. صوت وطن

20:57 الجمعة 01 نوفمبر 2019
article image

* مجاهد أبو الهيل

قبل ايّام كنّا نتابع نشرة اخبار قناة الاخبارية (العراقية imn سابقا) وكانت النشرة كعادتها تلتقط ما يضمن بقاء المسؤولين على كرسي رئاسة الشبكة ومجلس أمنائها في محاولة لكسب ود السلطة.

سألني أحد الأصدقاء: لو كنت مستمرا لحد الآن برئاسة الشبكة ماذا ستفعل مع المظاهرات؟ وأيهما تُرضي، الحكومة ام الشعب؟

قلت ُ له سأفعل نفس ما قمت به في المظاهرات السابقة التي حصلت في البصرة وبقية المحافظات.

فقال لي بذاكرة فارغة عن تلك الحقبة: وماذا فعلتم في تلك المرة؟

أجبته: ورثتُ شبكة الإعلام العراقي من أسلافي وهي بلا مصداقية وعلاقتها مقطوعة الأوصال مع المشاهدين المحليين وذلك يعود لأسباب كثيرة كنت احفظها عن ظهر قلب، لعل أولها علاقتها بالمكاتب الإعلامية لرؤساء الحكومات وسيطرة المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء على خطاب الشبكة، بالإضافة الى ضعف الهوية أو انعدامها في ذلك الخطاب، فالشبكة كانت تعاني من أزمة هوية اذ كان خطابها عشوائياً او نابعاً من ردة فعل الحكومة او الحزب او الطائفة على الأحداث.

كانت قنوات الشبكة على قطيعة مع الكثير من السياسيين بالاضافة الى عدم وجود علاقة مع المتلقي/ المجتمع. كذلك وصلت عدوى القطيعة بين قناة العراقية ورئيس مجلس النواب الذي طرد كادر القناة ومنعها من دخول البرلمان.

كانت مهمتي معقدة للغاية وكنت مصرا على مواجهة هذه الأزمة والدخول فيها مع سبق الإصرار والتعمد. فواجهتني ثلاث تحديات أساسية  في بداية رئاستي للشبكة وهي:

التحدي الاول في إعلام المعركة اذ كان العراق يخوض حرباً شرسة ومعقدة طائفيا ضد تنظيم داعش الإرهابي.

والثاني تحدي المظاهرات إذ شهدت البصرة ومحافظات اخرى تظاهرات عارمة عطلت الحياة وسدت الأفق بوجه السياسيين وأحزابهم.

والثالث تحدي الانتخابات البرلمانية إذ دخلت البلاد في العرس الديمقراطي بعد استلامي لرئاسة الشبكة بشهور وكان عليّ أن أقدم تجربة مغايرة هذه المرة.

كانت الشبكة قد خسرت مبكرا تحديات مماثلة لتلك التحديات الثلاث. ففي اعلام المعركة مع القاعدة خسرت الشبكة خطابها الوطني واعتمدت خطاباً طائفياً، وفي اعلام الانتخابات قدمت الشبكة إعلاماً منحازا للسلطة في اكثر من تجربة انتخابية اذ وصلت القطيعة بينها وبين الأحزاب والتيارات المشاركة في الانتخابات الى أوجها، وكذلك أغمضت الشبكة أجفان كاميراتها في اكثر من تظاهرة أغفلتها قنوات الشبكة لدرجة أن المتظاهرين احرقوا مكتب الشبكة في البصرة أسوة بمكاتب الأحزاب ومقرات الحكومة المحلية.

ماذا فعلتُ في فترة رئاستي (سنة واحدة) وكيف كانت خطتي واستراتيجيتي مع المظاهرات وغيرها من التحديات؟

“العراقية صوت وطن”، انطلاقا من هذا الشعار، بنيتُ تجربتي كلها في إدارة اعلام الدولة وانطلقت لترميم تلك العلاقة بين المواطن وصوته الذي فقده طوال فترة تأسيس الشبكة بعد سقوط النظام الشمولي، لدرجة ان اتصل بي احد السياسيين في مرة بعد أن شاهد النشرة المخصصة لأخبار المحافظات عند الساعة 6 مساء، ليسألني بتهكم هل سقط النظام عندكم؟ قلت له لم افهم، قال (تابعت نشرة الاخبار كلها نقد للحكومة شنو صاير، لو ساقط النظام، لو العبادي ديمقراطي لدرجة مخليكم بكيفكم).

شبكة الإعلام العراقي وقنواتها يجب ان تكون جسراً (ذهاباً وإياباً) بين المواطن والدولة بمعنى آخر أن توصل صوت الدولة بكل مؤسساتها وأهمها الحكومة إلى المواطنين وتوصل للدولة كذلك أصوات الشعب، فإذا أغلقت الشبكة طريق الذهاب أو الإياب وأصبح الصوت يمر بطريق واحد فإنها ستكون قد أخلت بالتزاماتها التي رسمها لها القانون.

شبكة الإعلام العراقي تواجه نفس التساؤلات مع كل أزمة يمر بها الوطن لسبب بسيط، وهو عدم وجود خطة وهوية لخطاب الشبكة.

مع كل حراك شعبي ينتقد الحكومة تقفز للواجهة جملة اتهامات وسهام نقد يصوبها الشعب نحو قناتهم الوطنية التي تبقى مكتوفة الضمير تجاه أزمة الوطن الحقيقية، مما يجعلها تفقد الطريقين لا هي في طريق الشعب ولا هي في طريق الدولة لانها اختارت أن تسير في طريق الحكومة فقط كونها تجهل أنها أحد السلطات المهمة في البلاد.

العراقية وأزمة المظاهرات

في المظاهرات التي اشعل فتيلها البصريون قبل أكثر من عام كنت أواجه ازمة متجذرة في خطاب الشبكة ورثتها من أسلافي جميعهم وكان عليّ ان اكون مغايرا لتجاربهم جميعها.

اول ما قام به المتظاهرون هو احراق مكتب العراقية في البصرة وطرد مراسليها من ساحات التظاهر في بقية المحافظات وسط نقد لاذع لإدارتي الحديثة للشبكة، فهم يجهلون تماما هويتي الوطنية وخلفية علاقتي بالمظاهرات السابقة في حكومة المالكي الثانية اذ كنت عضوا جديدا في مجلس امناء الشبكة وصرخت آنذاك بوجه إدارتها ومجلس أمنائها المتواطئ مع تلك الادارة المتواطئة هي أيضا مع الحكومة بعدم نقل المظاهرات، أصدرت بيانا شديدا طالبت فيه ادارة الشبكة بنقل صوت المواطن للدولة واتهمت قناة العراقية بتزويق الواقع وعدم الاهتمام بأنين الموجوعين.

وقد اعانتني بايصال صوتي قناة السومرية ووكالة أخبارها التي كانت وعاء طيباً لصرخاتي ضد فساد الشبكة.

أنا الآن رئيس للشبكة وفي مواجهة الأزمة وعليّ ان اختار بين ان انتمي لضميري الوطني او انحاز للسلطة التي وللإنصاف لم تتدخل بعملي طيلة فترة رئاستي للشبكة اذ لم يكن لرئيس الوزراء العبادي مكتبا اعلاميا نافذاً  في الشبكة.

أول ما قمت به هو عزل مدير مكتب البصرة عن مهامه وتكليف المراسلين الحربيين (حيدر شكور وغيث طلال) لما لهما من حصانة اجتماعية لكونهما عائدين للتو من جبهات القتال وما زالت اثار الجروح في جبهتيهما الوطنيتين.

كذلك أشرفت بنفسي على غرفة الاخبار في الشبكة ووزعت المهام بين المراسلين للتواجد في ساحات التظاهر في بغداد وبقية المحافظات.

لم يكن الطريق سهلا لوصولهم الى ساحة التحرير ولَم تشفع لهم جبهات القتال التي كانوا فرسانها لعامين كاملين، اذ تعرضوا للرفض في بادئ الامر لحين ان اكتسبت كاميرا قناة العراقية ثقة المتظاهرين في البصرة والناصرية والنجف واستمعوا الى صوت شيخ المتظاهرين في الناصرية وهو يصدح: “لولا شبكة الاعلام والمسمى مجاهد ابوالهيل لما وصل صوتنا”.

كانت الجيوش الإلكترونية لخصومي تسكب الزيت بين قناة العراقية والشعب في ساحات التظاهر لتعمق الفجوة لكسب اصوات جديدة ضد إدارتي لدرجة انهم أوهموا الرأي العام اني طردت احدى الفتيات العاملات في قناة العراقية بسبب مشاركتها في المظاهرات، بينما كان السبب يتعلق بسوء اداءها المهني وهو معروف لدى جميع العاملين معي.

عقدت اجتماعا مع العاملين في الشبكة من إعلاميين وفنيين وقررنا ان نرد على اتهامنا بعدم تغطية المظاهرات بالتظاهر داخل الشبكة لنهار كامل وان يحمل كل منا لافتة بمطالب احد المحافظات وأوصلنا رسالتنا للجميع ان الشبكة والعاملين فيها يتظاهرون.

بعد ذلك حصدت الشبكة المرتبة الأولى بنسبة المشاهدة في هذا العام 2018 حسب استطلاع لمؤسسة غالوب الدولية ومؤسسة إبسوس العالمية وهذا لم يأتِ من فراغ او بالصدفة إنما جاء نتيجة اطلاق شعار “العراقية .. صوت وطن”، وما جرى من جهود من كوادر الشبكة في تقديم تجربة مهنية بعد ان تحررت الشبكة من قبضة الأحزاب والمحاصصة عند اعفاء مجلس أمنائها لعام كامل اذ اتيحت الفرصة للمهنيين والمبدعين ان يقدموا خطابا اعلامية وطنيا بعيدا عن الأجندات السياسية والطائفية التي عانت منها الشبكة منذ تأسيسها ولغاية اعفاء مجلس أمناءها لهذا العام الذي يعتبر عاماً ذهبياً لشبكة الاعلام العراقي منذ 2003 ولغاية الان.

العراقية.. العودة الى الخلف

وفرت حكومة عبد المهدي الفرصة المناسبة  لفريق الأحزاب السياسية للعودة الى الشبكة عن طريق المحكمة الادارية التي ألغت احد الأوامر الديوانية المهمة في طريق الإصلاح الذي أعفى فيه العبادي مجلس الامناء وأخرجهم من الشبكة عائدين الى احزابهم الخاسرة في الانتخابات.

لكن بعد انقلاب الأحزاب على مشروع الدولة عادت الشبكة الى عهدها السابق دون عناء لان طريق العودة الى الخلف اسهل بكثير من طريق الهجرة إلى الامام.

بعد استقالة الاعلامي هيوا عثمان وإعفاء الفنانة هديل كامل من رئاسة مجلس الامناء واقالتي من رئاسة الشبكة عاد فريق السلطة وأحزابها الى مجلس الامناء ورئاسة الشبكة، وعاد مراسلو العراقية الى الطرف الثاني من جسر  السنك بجانب القوات الامنية، بينما تجمع آلاف المتظاهرين في الطرف الاخر منه لتعود قناة العراقية خارج مشهد الاحتجاجات من جديد بالاضافة الى تراجع الشبكة في الملفات التالية:

تراجعت من حيازة المركز الاول في نسبة المشاهدة الى خارج حلبة المنافسة وعادت قناة الشرقية بمرتبتها الاولى التي خطفتها منها العراقية لعام واحد فقط.

قامت الادارة الجديدة بإلغاء قناة العراقية فنون التي من المخطط له ان تكون وعاء لارجاع الارشيف العراقي الفني.

تم الغاء قناة العراقية الدولية imn واستبدال اسمها وشعارها من “العالم بعيون عراقية” الى قناة الاخبارية “بوابتك نحو الحقيقة”، وهذا يعني سلب الهوية العراقية من قناة الوطن واستبدالها باسم لا طعم ولون ورائحة له اطلاقا بوجود عشرات القنوات في الدول العربية تحمل اسم الاخبارية بينما كان اسمها بطابع عراقي وبعيون عراقية.

تم اهمال المعركة التي خاضها رواد الاذاعة من اجل إرجاع اسم “اذاعة بغداد” وعدم السماح بمنحه لاي جهة اخرى كونها تختزن ذاكرة العراقيين الفنية منذ عام 1936 مما جعل تاريخ اقدم اذاعة في الشرق الأوسط في مهب الريح التي عصفت بتاريخ العراقيين.

أطفأت ادارة الشبكة الانوار التي تضيء تماثيل الرواد مؤيد البدري وكامل الدباغ وزهور حسين وعريان السيد خلف وزها حديد ومسرح الرواد وحديقة الزعيم، دون مبرر سوى ان هذه المنجزات تعود لفترة رئاستي للشبكة مما افقد الذاكرة العراقية متعتها في ريادة حديقة الرواد والتقاط الصور مع تماثيلهم.

غادرت الشبكة خطابها الوطني الذي راجعناه لها بالكاد وعادت الى الخطاب العشوائي الذي عانت منه طويلا بسبب سوء الادارة والتخطيط وهيمنة الأحزاب والطوائف على الشبكة منذ تأسيسها.

اهملت قنوات الشبكة صوت الشعب وألغت نشرة السادسة المخصصة للخدمات كما أغمضت عدسات كاميراتها عن ساحات التظاهر التي شهدها العراق، مما جعل الثقة بين قناة الوطن والشعب في تراجع كبير بعد ان استعادت الشبكة في وقت سابق، شيئاً من حضورها بين المواطنين في مظاهرات البصرة وبقية المحافظات قبل اكثر من عام وسجلت اعترافاً من شيوخ التظاهر بدورها في نقل الحقيقة بالصوت والصورة.

تراجعت وكالة الانباء العراقية واع عن مواكبة الأحداث الوطنية وهموم المواطنين بعد الغاء غرفة الاخبار المشتركة التي تقوم فلسفتها على دمج المنصات الاعلامية في مكان واحد لتسهيل الوصول الى المعلومة والحفاظ على هوية الخبر وسرعة إيصاله للجمهور.

اعفاء الاسماء المهنية المستقلة من الإدارات الوسطية في الشبكة واعادة منهج المحاصصة السياسية والطائفية وتسليم مديريات الشبكة الى الأحزاب النافذة في السلطة والبرلمان تمهيداً لكسب ودهم وإبقاء الادارة لأربع أعوام جديدة.

استبعدت الشبكة مجموعة اصحاب الرأي والمحللين السياسيين نتيجة انتقادهم لآداء الحكومة وأحزابها او نتيجة نقدهم البناء لخطاب الشبكة مثل المفكر غالب الشابندر والاعلامي مصطفى الربيعي الذين منعت الشبكة استضافتهم في شهر رمضان لهذا العام.

ما يحصل في شبكة الاعلام العراقي امتداد لما يحصل في العراق من خراب وضياع واذا بقيت الشبكة تحت أسر السلطة والمحاصصة وتوزيع الأدوار بين الأحزاب فان قناة العراقية لن تكون صوت وطن.

كلمات المفتاح:

رأي

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
close

رأي

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل