Shadow Shadow

*ياسين طه

الصراع علی “المقبرة الفریدة” للكرد

17:53 السبت 27 يوليو 2019
article image

*ياسين طه

في صحراءَ قاحلةٍ جافّة، وفي ظل درجاتِ حرارةٍ تُلامسُ نصفَ الغليان، شرعت السلطات العراقية المعنية في فتح مقبرة جماعية، وُصفت بـ “الفريدة”، وهي تعود لأكثر من 30 عاما وإلى عمليات الأنفال والإبادة الجماعية للمواطنين الكرد على يد نظام صدام حسين حينما كانت الحرب العراقية الإيرانية توشك على الانتهاء؛ إلّا أنّ الناجي الوحيد المفترض من المجزرة أوقف رفع الرفات؛ بسبب اعتراضاته على عدم إنصاف أهالي الضحايا حتى الآن.

تقع المقبرة التي يعود تاريخها إلى شتاء 1988 في منطقة صخرية وصحراوية في بادية السماوة جنوب العراق، وبعد 10 أيام من الحفر والتنقيب، شرعت الكوادر المتخصصة برفع الرفات في منطقة صخرية، وفي ظل شمس حارقة وحرارة مرتفعة؛ لتغلي معها مشاعر ذوي الضحايا والناجين من انتقام نظام البعث من العراقيين، خصوصا الكرد الذين تعرضوا للبطش والتنكيل على وجه التحديد في الثمانينيات؛ بسبب اتخاذهم مواقفَ مناوئةً للنظام حينما كان منشغلاً بحربه التي أطلق عليها “القادسية الثانية”.

السلطات المختصة المتمثلة بـ “دائرة شؤون المقابر الجماعية” التابعة لـ “مؤسسة الشهداء في العراق” تُقدّر عدد الرفات بنحو 100، وتتكون من النساء والأطفال بمختلف الأعمار بحسب الملابس والشعر والأحذية القديمة وباقي المقتنيات التي قاومت داخل رمال الصحراء طيلة أربعة عقود؛ لتكون شاهداً فيما بعد على جرائم الإبادة خلال حملات الأنفال التي أطلقها النظام لاستعادة السيطرة على القرى الكردية التي خرجت من سطوته وانحازت لمناوئيه من الأحزاب الكردية المعارضة.

حضر رفعَ الرفات وفودٌ برلمانية، وإعلامية، وناشطون حقوقيون، إلّا أنّ بعضهم لم يتمالك نفسه أمام هول ما شاهده من أحذية للأطفال وبقايا شعر ومقتنيات انقرضت ماركاتها وموديلها حالياً؛ لكن وبعد أيام من العمل في المقبرة لحق “تيمور أحمد” الذي نجا من الدفن بمساعدة عوائل عربية عام 1988 بالحدث وأبدى معارضته لرفع رفات ذويه؛ بسبب “إهمال السلطات الكردية في معاقبة الجُناة ومن ساهموا في الجريمة”، فضلاً عن عدم إنصاف ذويهم حتى الآن بحسب تصريحات أدلى بها على المقبرة بشكل مباشر لوسائل اعلام متلفزة.

المقبرةُ التي تبلغ مساحتها ما يقارب 45 مترا مربعا وصفتها مؤسسة الشهداء بـ “الفريدة من نوعها”، وهي واحدة من مجموعة مقابر ومواقع للدفن تقع في المنطقة نفسها، وفي مثلث: السماوة والنجف والديوانية، التي اختارها نظام صدام لدفن المواطنين الكرد وهم أحياء ضمن عمليات الأنفال؛ نظراً لأنها منطقة نائية وبعيدة عن مناطق سكناهم في الشمال، وابتعادها بعض الشيء عن المناطق الحضرية والمأهولة بالسكان في الجنوب العراقي الذي سكنه غالبية شيعية. ويبدو أن السلطات أرادت إبعادهم عن مرأى ومسامع الناس إلا أنه وبعد 40 عاماً اجتاحت صور رفاتهم الميديا، ومواقع التواصل، وشاشات التلفزة.

وتُظهر الصورُ المُلتقطةُ للمقبرة آثارَ الرصاص الواضحة على جبين الضحايا، وأحذية للأطفال وعصابات على عيون النساء أرادت مؤسسة الشهداء تخليدها وتوثيقها لرسم ملامح الجريمة بدقة. ورغم أنّ المقبرة ليست بالجديدة وسبقتها نحو 200 مقبرة جماعية – بحسب الاحصاءات الرسمية – إلّا أنها انفردت من جهة الصور المؤلمة واحتضانها لأمهات وأطفال وصور احتضان لبعضهم وجُلُّهم كانوا بعمر الورد من بين باقي المقابر.

إلّا أنّ اختيار توقيت فتحها في ظل جدل إعلامي وسياسي دائر في الأوساط العراقية بشأن التعاطف مع البعث على خلفية شعارات أطلقت في التظاهرات، وعدم التنسيق مع صاحب الشأن والوريث والمشاكل بين حكومة الإقليم وذوي الضحايا أثارت جملة تساؤلات عن استخدام الضحايا ورقةً سياسية في وقت الأزمات وترك أصحابها في الإهمال في الأوقات العادية؛ وإلّا كيف يمكن أن يحصل هذا الارتباك في كشف الستار عن هذه الجريمة الإنسانية؟!

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل