ابحث...

Shadow Shadow

الصراع الاميركي الايراني في العراق

الخميس 08 نوفمبر 2018
article image

هشام الهاشمي 

إن المعضلة التي تواجهها استراتيجية الإدارة الأميركية هي صعود احزاب محور المقاومة الشيعية التي اصبح لها التأثير المباشر في الإدارة والقيادة والسياسة والتشريعات، واستطاعت تلك الاحزب أن تفرض ميولاتها العقائدية على الكثير من القرارات البرلمانية والحكومية، ليحتل هذا الحدث عناية مركز الأبحاث والصحافة الأميركية. واستبعاد تماماً الحديث عن نزع سلاح “فصائل الحشد الشعبي” وتحويلهم الى جهد مدني.

فما الذي يمكن قوله حول ما يمكن ان تعمل حكومة عبد المهدي تجاه تفعيل العمل بقانون الحشد؟ الواقع أن هناك اختلاطاً في أوراق هذا الملف. ويمكن لحكومة عبد المهدي أن تقول إنها قد وضعت مراجعات وتصحيحا للتعليمات التي اسس لها الدكتور العبادي، ومهدت الطريق لتحقيق القيود الكاملة على قيادة وإدارة وقانونية ومالية هيئة الحشد. كما يمكن القول للإدارة الأميركية إنها قد صعبت من مهمة إيران في تقديم الدعم المادي واللوجستي لـ “لفصائل الحشد”. وتؤكد إيران أنها قد دعمت وساندت عشرات الألوف من الذين قاتلوا داعش في العراق تسليحا وتمويلا وتدريبا. ويمكن لإيران كذلك أن تقول إن عدواً رئيساً للسلام وداعماً للإرهاب ومطوراً لنظرية اجتثاث الآخر، وهي داعش وأنصارها، قد جرى تحجيمها وهزيمتها بواسطة قوات الحشد الشعبي.

بيد أن “الحشد الشعبي” قد خرج من ملحمة الحرب على داعش أقوى مما كان عليه من قبل، وأصبح الآن عنصراً رئيسياً في تحديد مستقبل العراق. وما يزال قائد عمليات الحشد ابو مهدي المهندس يمسك بزمام الأمور، حتى أنه يمكن القول إنه صمد أمام أقسى ضغط يمكن أن يتعرض له من قبل الولايات المتحدة في محاولة إقصائه، وإن لم يرق هذا الضغط بعد إلى مستوى محاولات الاغتيال المخابراتي. ويمكن لإيران أن تقول إن رؤيتها حول الصعود الإسلامي الشيعي أثبتت صحتها في كل مكان، ليس فقط في بغداد والجنوب والفرات الأوسط، بل وفي نينوى وصلاح الدين الآن، وليس هناك دليل أقوى من الدعم الذي وجده تحالفا البناء والإصلاح حينما انصهر تحت قيادتهما العرب السنة.

‫بالتالي ليس من الواضح بعد ما إذا كانت السياسة الأميركية في العراق ستخرج أقوى أو أضعف مما كانت عليه من خضم الوضع المضطرب والمتأرجح الذي شهده العراق خلال الأشهر القليلة الماضية. إجمالاً، فقد اكتسبت السياسة الأميركية بعضاً من الزخم حينما تم اختيار ثلاثة وزراء في حكومة عبد المهدي لهم صلات مع الغرب وخاصة اميركا، ولكنها مكاسب هشة قد تعاني من انتكاسات مستقبلية، خاصة إذا تمكن تحالف “البناء” من حصد مقاعد الأغلبية في مجالس المحافظات خلال الانتخابات المرتقبة، وتكرس كعلامة بارزة في الحياة السياسية العراقية. كما يمكن أن تتلاشى المكاسب الأميركية إذا تمكنت الأحزاب العراقية الموالية لإيران من التحكم بمسيرة العلاقات السياسية الخارجية العراقية حتى دون الحاجة لتدخل القوة الخشنة.‬

مع أنه لم يمض لوزارة عبد المهدي سوى عشرة أيام فقط، فإن الوزراء في الكابينة الجديدة يعطون أولوية مهمة لجهودهم في حل عقد الخدمات والملفات المرحلة من قبل مجلس الوزراء السابق وتفعيل القوانين التي تم التريث بها، بهدف التخفيف من أعباء تركة الحرب على الإرهاب، ومحاولة بيان الموقف العراقي تجاه أزمات إقليمية كبيرة قادمة. 

غير أن عبد المهدي وفريق عمله الدبلوماسي والاستشاري أنفسهم يدركون أنه من غير المحتمل، في مثل هذا الوقت المبكر من فترة ولاية عبد المهدي، إيجاد الحلول الممكنة لقضايا البطالة والفقر والكهرباء والمياه والموقف من السلاح السائب، وإن كانت هناك بعض القرارات والتدابير السريعة التي يمكن أن تحسن اوضاع الشعب الاقتصادية حتى في مثل هذا الوقت القصير ان توفرت الإرادة الوطنية وتم ابعاد هيئات ولجان الفساد.

لقد مثّلت الحرب على الاٍرهاب الأولوية الرئيسية في البرامج الحكومية العراقية بعد عام 2005، ولكن برنامج حكومة عبد المهدي جعل هذه القضية في مكانة ثانوية نسبياً بالمقارنة مع ملفات الخدمات وتحسين الاقتصاد واعادة ترتيب الهيكلية لمؤسسات الدولة والسعي الحثيث لاجتثاث البيروقراطية التي ترسخت في وزارات العراق، فضلاً عن تحسين اداء الجهد الدبلوماسي. ويعتبر تصريح الخارجية العراقية تجاه الموقف من تغريدة السفارة الأميركية في بغداد التي وصفت الحشد الشعبي بـ “المليشيا” التصريح الأكثر وضوحاً في قوة العلاقة بين بغداد وطهران، وهو بمثابة موقف جاد قامت به حكومة عبد المهدي بتحقيقه في أيامها الأولى.

وفيما يتعلق بالخلاف بين اربيل وبغداد، قلل معظم المراقبين، تقريباً، من شأن ثبات عبد المهدي على القرارات التي اتخذها الدكتور العبادي بهذا الصدد، وقد يلجأ الى التفاهم والعودة لإدارة مشتركة للمناطق والثروات المتنازع عليها كما كانت قبل 17 تشرين الاول 2017، على أساس أنه ليس من الحكمة ان تستمر وأنها جاءت في وقت طارئ وانتهى.

ومن المرجح أن تقوم حكومة عبد المهدي خلال الـ 90 يوما القادمة بالتركيز على قضايا الكهرباء؛ المياه؛ الخدمات؛ الوظائف؛ والاستثمار، وهي القضايا التي ما تزال تستعصي على الحلول الفورية المتوافرة. ففيما يتعلق بالكهرباء، تعتقد الحكومة انها قد تنجح في التخفيف من الأزمة وليس حلها بشكل جذري، وهذا لعله يساهم في تغيير صورة الفشل التي ارتسمت في ذهن الرأي العام حول وضع الكهرباء في العراق.

ولحماية المكاسب التي حققتها القوات المسلحة العراقية في كل صنوفها لابد من اعادة تدريبها وتأهيلها والنظر باحتياجاتها وتشريع القوانين الخاصة بالضمان الاجتماعي والصحي لها، والإسراع في إقرار قانون جهاز الأمن الوطني وتفعيل العمل بقوانين جهاز المخابرات الوطني وجهاز مكافحة الإرهاب وهيئة الحشد الشعبي، ومن المؤكد ألا تعمل حكومة عبد المهدي على وقف أية عمليات قانونية او تشريعية تساند كل ذلك.

بعض المراقبين يرى أن حكومة عبد المهدي ستفشل، خلال الأشهر الستة الأولى لها، وهي تواجه واقعا لا يمكن تجاوزه بالتدرج الحذر حتى ولو كانت مؤيدة بقوة من قبل سائرون والفتح.. من وجهة نظر أكثر المراقبين المختصين بالتحليل، فإن هناك فرصة كبيرة امام عبد المهدي ان يقوم بدور الوساطة بين ايران واميركا من جهة وايران والسعودية من جهة اخرى، وايضاً بإمكان دوائر الدبلوماسية العراقية أن تخطط بشكل نشط لحل مشكلة شحة المياه مع إيران وتركيا، ومن الممكن أن تنجح دوائر المعلومات العراقية من أسر أو قتل “البغدادي”، ولكن هذه النتيجة تبدو غير مرجحة بدون اتخاذ العراق موقفا وسطياً ثابتا من صراع المحاور الذي يجري على ارض العراق، موقفا تحفزه وتحركه مصلحة العراق وشعبه اولا وفقط.

إن القوانين بمجرد أن تشرع، يصبح من الصعب جداً إلغاؤها؛ لأنه سيكون لها على الدوام أنصار أقوياء من بين الزعامات والمرجعيات والأحزاب الأكثر سيطرة داخل الحكومة والبرلمان. والمدافعون عن حقوق قوات الحشد الشعبي على وعي تام بأن شكلاً ما من أشكال “المؤامرة لنقض القانون” قد يحدث في مرحلة تالية؛ فالمسارعة في تنفيذ تعليماته بالتعاون مع رئيس مجلس الوزراء ا.عبد المهدي بحسب الإمكانيات الموجودة، دون التوسع في النفقات والمطالبات الإضافية. ومع الوفرة الواسعة في أعضاء البرلمان المساندين لتفعيل قانون هيئة الحشد، يصبح من الأسهل الترويج للحجج وتوظيفها، ومن الصعب رفضها؛ فبعد كل شيء هناك تضحيات وشهداء وجرحى وأيتام وأرامل مهددين بخطر الفقر وعدم الرعاية الصحية والاجتماعية اللائقة بدون تفعيل قانون هيئة الحشد الشعبي، ولا أحد في الحكومة والبرلمان والمرجعيات يريد أن يخاطر بتحميله المسؤولية عن الوقوف بالضد من حقوق كل تلك العناوين باسم الميل للرغبة الأميركية في دمج او تحجيم هيئة الحشد الشعبي وعرقلة تنشيط قانونها.

وصفوة القول ان تغيراً نوعياً لن يطرأ على العلاقات العراقية الإيرانية في الدفعة الثانية من العقوبات الأميركية على إيران، والسبب يعود الى صعود العشرات من النواب الجدد الموالين والمنسجمين مع سياسيات ايران في المنطقة والعراق، قوة تشريعية من الشيعة والسنة والكرد وعديدهم قد يتجاوز عتبة النصف +1. 

فقد كانت أمام اميركا وحلفائها فرصة ذهبية لاتخاذ منحى مختلفاً في استثناء العراق كليا من موضوع العقوبات فور انطلاق دفعة العقوبات الاولى في اب 2018 وعلى مدار ثلاثة شهور حتى الوصول الى الدفعة الثانية اليوم، لكن على العكس زاد تخبط الضغط الأميركي على البنك المركزي العراقي وهو في اوهن حالاته حيث لا يمتلك القدرة على فرض تلك العقوبات بشكل عادل على جميع المتعاطفين والمنخرطين في اعمال مصرفية مع إيران بشكل مباشر او بحيل غير مباشرة. فما لم تدركه أميركا في ظل الحرب على داعش تصاعد شعبية ونفوذ التيار الإسلامي الشيعي وايضاً تصاعد نفوذ التقارب الشيعي السني تحت تحالفي البناء والإصلاح، كل ذلك سوف يصعب على الخزانة الأميركية التعامل بمرونة مع البنك المركزي العراقي، خاصة اذا أدركت اميركا ان التأثير الإيراني هو من نسق صناعة الرئاسات الثلاثة في عام 2018، ويعمل على تثبيت حكومة عبد المهدي، كل ذلك ليظل العراق خارج معادلة العقوبات الاميركية على إيران؛ وان تتعامل اميركا مع العراق وفق معادلة جديدة “لا عقوبات ولا علاقة كاملة” هي الحاكمة.

 

كلمات المفتاح:

leaderboard
leaderboard
mpu

ما هو نوع موادك المفضلة

Loading ... Loading ...
skyscrapper
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل