Shadow Shadow

علي المَدَن

الشيعة والدولة الوطنية

14:38 الثلاثاء 19 فبراير 2019
article image

 

*علي المَدَن

ارتبط موقف الشيعة العراقيين من الدولة العراقية بنوع تعريفهم لأنفسهم داخل الممارسة السياسية، وفي هذا السياق قدّم الشيعة العراقيون أنفسهم من خلال ثلاث هويات عبر ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى كانت مع بداية تشكيل الدولة العراقية الحديثة حيث عرّفوا أنفسهم بوصفهم “عربا”، وبالتالي جاءت مطالبات زعاماتهم الدينية بضرورة أن يكون حاكم العراق رجلا عربيا، فبرزت الهوية العربية.
والمرحلة الثانية كانت مع صعود حركات الإسلام السياسي في منتصف القرن العشرين حيث عرّفوا أنفسهم بوصفهم “مسلمين”، فجاءت أدبيات تلك الحركات لتنظّر للوطن الإسلامي الكبير الذي يكون الشيعة العراقيون فيه جزءا من الجماعة / الأمة الإسلامية الكبرى. وهنا برزت الهوية الإسلامية الأممية.
أما المرحلة الثالثة؛ وفيها برزت الهوية الوطنية العراقية، فكانت لحظة انبثاقها بادئ ذي بدء مع نداءات محمد باقر الصدر التي لم تنشر ولم تعرف بسبب مقتله المبكر، ولكن مع عقد التسعينيات من القرن الماضي أعاد محمد محمد صادق الصدر إطلاق شرارة هذه الهوية حين أخذ يميز في حركته بين مرجعية العراق ومرحعية إيران، وحاضنة النجف العلمية وحاضنة قم، وشيعة العراق وشيعة ايران، وهذه نغمة لم تكن سائدة سابقا ولا معروفة. ثم حدث بعد 2003 أن دخلت المرجعية السيستانية على نفس الخط في بناء هذه الهوية الشيعية “العراقية”، أي الهوية الشيعية بوصفها هوية وطنية للدولة العراقية وليس هوية لجماعة مذهبية. وهذا ما نلاحظه في خطاب هذه المرجعية حول ضرورة احترام سيادة الدولة العراقية، واستقلال القرار العراقي، وتفهم الخصوصية الإقليمية للعراق في عمقه العربي، والانفتاح على تنوع المجتمع العراقي الإثني والديني، وحفظ هيبة الدولة عبر حصر السلاح بيدها .. إلخ. وهذا الخطاب المرجعي يمثل انتقالة جديدة في الفضاء السياسي الشيعي العراقي جاء متزامناً، وربما متوافقاً، مع التغيير الحاصل في نظام الحكم في العراق عام 2003 وصعود الشيعة لسدة الحكم.
ومع ذلك، وبالرغم من ضخامة هذه الخطوة السيستانية التي تعيد دمج الشيعة في كل مكان في مجتمعاتهم المحلية ودولهم الوطنية (باستثناء إيران التي لها وضعها الخاص؛ والتي عرفت هذه الانتقالة الهوياتية منذ أحداث المشروطة قبل أكثر من مئة عام)، فإن الوضع الراهن فيه انتقالة أخرى (يفترض أن تكون مقلقة للمرجعية الدينية الشيعية) تترافق مع تنامي الموقف الاحتجاجي الشعبي من مستوى أداء الأحزاب الإسلامية الماسكة بالسلطة والمتحكمة بواقع ومستقبل المواطن العراقي، حيث يحمّل هذه المواطن العراقي المرجعيةَ مسؤولية صعود وبقاء هذه الأحزاب في سدة إدارة الدولة. ويرى أن المرجعية ما لم تبلغ في موقفها من هذه الأحزاب مرحلة القطيعة والانفصال التام، فإنها، في نظر هذه الحركة الاحتجاجية، شريكة لتلك الأحزاب فيما وصل إليه البلد من تدهور.
قد تبدو تطلعات الجماهير العراقية نحو خطاب مرجعي سياسي صريح مخالفةً لما دأبت عليه المرجعية السيستانية في تعاطيها مع الشؤون العامة لأتباعها، ولكن المرجعية تدرك جيدا أن تراجع تلك التطلعات مرتبط بوجود تجربة نجاح لدى الحكومة العراقية والأحزاب المشاركة فيها من جهة، أو بتطور فهم تلك الجماهير واستيعابها لدورها ومسؤوليتها في نيل حقوقها بدون وسيط ديني من جهة أخرى. وبالعودة إلى خطبة ممثل المرجعية في صلاة الجمعة بتاريخ 27 تموز 2018، أي بعد أسبوع من الاحتجاج الدامي في البصرة، نجد أن المرجعية حاولت إبلاغ الجماهير بفك ارتباطها بأحزاب السلطة من جهة، ومصارحتها (مصارحة الجماهير) بأن من حقها تطوير أساليب الاحتجاج السلمي ضد تلك الأحزاب من جهة أخرى.
ومع أن هذا الموقف السياسي يخفف من ضغط الشارع على المرجعية إلا أننا نرى أن من الصعب على مجتمع تعود لقرون طويلة على التوجيه المباشر من مرجعياته الدينية في كل صغيرة وكبيرة من شؤون حياته أن يبلغ مرحلة الرشد السياسي ويمارس حقه المدني دون رؤيته لضوءٍ أخضر (هو ضوء الشرعية في نظره) من تلك المرجعيات، لاسيما وأن هذا المجتمع لم يمكن حتى الآن قد أفراز نخباً منفصلة في عملها السياسي عن انتماءاتها الدينية والعرقية.
بناء على ذلك كله، وفِي ظل تزايد مشاعر النقمة على اللاعبين السياسيين بين فئات المجتمع العراقي كافة، يُتوقع من المرجعية الدينية أن تسهم باستقرار البلد سياسياً ليس فقط من خلال بناء هوية وطنية للجماعات الدينية المرتبطة بها تعيد دمجهم بالدولة، بل وتأهلهم للعمل السياسي المستقل عبر إعلانها القطيعة مع جميع أشكال الأنشطة والتنظيمات السياسية التي تُمارس السياسة باسم الطوائف. إنها قطيعة دينية / سياسية هي الأوفق بالدولة المدنية التي تدعو إليها المرجعية.

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل