fbpx
Shadow Shadow

التعداد السكاني والانتخابات المبكرة

08:55 الثلاثاء 18 فبراير 2020
article image

عبدالزهرة محمد الهنداوي

منذ عام ١٩٩٧، لم يشهد العراق تعدادا سكانيًا شاملًا، وهذا التعداد الذي نشير اليه لم يكن تعدادا ناجحًا وفقًا للمعايير الدولية، ذلك لانه لم يشمل محافظات اقليم كردستان، كما ان البيانات التي توصل اليها لم تكتمل، الا بعد اكثر من سنتين ما جعلها تفقد قيمتها التنموية، وبالتالي فإننا نتحدث عن تعداد ١٩٨٧، بوصفه اخر تعداد شامل شهده العراق. وبحساب الزمن فان ٣٣ عامًا مرت لم يشهد البلد خلالها تعدادا سكانيا يطابق المعايير العالمية، أما فيما يتعلق بالانتخابات، فان تجربتنا باتت غنية بعد الجولات الانتخابية التي مارسها العراقيون، وكانت اخرها انتخابات عام ٢٠١٨، وهي الانتخابات التي توقف احد اهم مخارجها (الحكومة) قبل بلوغ النصف الاول من عمرها، فضلا عن الإرباكات والمشكلات الأخرى التي واجهت العملية السياسية برمتها خلال عام واحد مَن اجرائها، على العكس من الدورات السابقة التي اكتملت جميعها، وبعضها تجاوز العمر المقرر له، على الرغم من كل ما شابها من مشاكل لم تكن ابسط من مشاكل الدورة الحالية، التي ربما تختلف عن سابقاتها. ان الشارع العراقي دخل محركا فاعلا ومؤثرا في تغيير مسارات الأحداث إلى الدرجة التي تمكن من اجبار الحكومة على الإقالة، وإجبار مجلس النواب على القبول بإجراء انتخابات مبكرة، إلى الان مازال موعدها غير محدد بانتظار مباشرة الحكومة الانتقالية مهامها، لتبدأ عملها باتجاه توفير الظروف المناسبة لتحديد الموعد  الذي يبقى مرتبطا بوضع المفوضية العليا المستقلة للانتخابات التي اصبح وضعها غير مستقر بعد التغيرات الجذرية التي طالتها وشملت جميع مفاصلها.

وأحاول من خلال هذه المقاربة بين التعداد العام للسكان وبين اجراء الانتخابات المبكرة ان أشير إلى احتمالية حدوث حالة من التزاحم بين الحدثين الكبيرين اللذين ينتظرهما العراقيون بصبر ولهفة، وقد تكون لهفتهم للتعداد اكثر بحكم مرور اكثر من ثلاثة عقود على اخر تعداد، ومعنى هذا ان (٢٢) مليون عراقي لم يدخلوا سجلات التعداد العام للسكان  وفقا لتعداد ١٩٨٧، وهناك (١٦) مليون عراقي وعراقية لم يدخلوا هذه السجلات وفقا لتعداد ١٩٩٧، بالمقارنة مع عدد السكان الحالي البالغ (٣٨) مليون نسمة، ومَن يستنطق هذه الارقام المليونية الكبيرة فانه سيدرك بوضوح واقع الحال، ومساسة الحاجة إلى وجود بيانات دقيقة وحقيقية عن الواقع الديموغرافي، لجعلها مدخلات سليمة لإعداد الخطط التنموية والسياسات الاقتصادية، فضلا عن أهمية تلك المؤشرات السكانية على مستوى المحافظة والقضاء والناحية والقرية، في الاستفادة منها بإجراء الانتخابات، لاسيما بعد المتغيرات الهائلة والتوسع الكبير الذي شهده الواقع الإداري والاجتماعي في العراق، اذ نتحدث اليوم عن (١٦٨) قضاء في عموم العراق، الكثير منها تم استحداثه بعد عام ٢٠٠٣، فضلا عن أعداد النواحي والقرى التي هي الأخرى تضاعفت اعدادها بنحو لافت خلال السنوات الأخيرة، وهذه ليست مثلبة إنما هي مسألة طبيعية في ظل التزايد السكاني، اذ يعد العراق من البلدان الأعلى نموًا سكانيًا في العالم بنسبة زيادة سنوية تقترب من (٣%)، ووفقًا لهذه النسبة العالية فان السكان يتضاعفون مرة واحدة كل ربع قرن من الزمان، وهذه الزيادة المضطردة  تزيد من أهمية اجراء التعداد العام للسكان الذي ينبغي ان يجري مرة واحدة كل عشر سنوات، فما بالنا ونحن نتحدث عن ٣٣ عامًا ؟. ومن هنا اعود إلى احتمالية حدوث التزاحم بين الحدثين خلال العام الحالي، إذا ماقررت الحكومة اجراء الانتخابات قبل نهاية ٢٠٢٠، ذلك لان الحكومة المستقيلة كانت قد قررت في النصف الأول من العام الماضي ان تجري التعداد العام للسكان قبل نهاية ٢٠٢٠، وقرارها هذا جاء استمرارا  لقرار الحكومة التي سبقتها عندما قرر المجلس الأعلى للسكان برئاسة الدكتور حيدر العبادي عام ٢٠١٧ اجراء التعداد في ٢٠٢٠، ومنذ ذلك التاريخ والجهات المعنية المتمثلة بوزارة التخطيط والوزارات ذات الصلة والحكومات المحلية تواصل استعداداتها العملية، وقد قطعوا شوطا جيدا باستكمال الكثير من الاستحكامات والإجراءات المهمة، اذ من المقرر ان يتم اجراء التعداد بصيغة إلكترونية في الشهر العاشر او الحادي عشر من السنة الحالية، بمعنى ان الموعد محدد قبل اكثر من سنتين. في المقابل ان موعدا لإجراء الانتخابات المبكرة لم يحدد بعد، ولان كلا الحدثين يحتاج الى حشد كل الجهود والإمكانات الوطنية لتنفيذه، فإن إجراءهما في ذات الفترة سيؤدي إلى تشتيت تلك الجهود، ما قد ينعكس سلبا على المشروعين  وربما يؤدي الى فشلهما كليهما، وهذه اخطر نتيجة قد نواجهها في تاريخ العراق الراهن، فلا يمكننا ان نفرط بالانتخابات المبكرة التي تعد الأولوية الاولى ضمن مطالب التظاهرات الاحتجاجية، كما ان الوضع السياسي في البلد يعاني الكثير من الاحتقان، وهو بحاجة إلى تنفيس حقيقي لايتحقق الا من خلال اجراء انتخابات حقيقية يشارك فيها العراقيون وفق فهم حقيقي لممارسة هذا الحق الدستوري، وفي ذات الوقت فان التعداد العام للسكان  لايمكن التفريط به أيضا في ظل وضع تنموي متهالك يحتاج إلى بيانات حقيقية، يضاف إلى ذلك حجم الاستعدادات التي بُذلت لحد الان مع وجود توافق بشأن المشروع يعززه الدعم الجيد من قبل منظمات الامم المتحدة المعنية.

لذلك فان فك الاشتباك الزماني المحتمل بين هذين المرتكزين، هو ان يصار إلى اجراء الانتخابات المبكرة في منتصف العام المقبل ٢٠٢١، والإبقاء على التعداد العام للسكان على العام الحالي، لضمان نجاح الاثنين فكلاهما مهم لحاضر ومستقبل العراق.

نقلا عن “الصباح”

 

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
close

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل