Shadow Shadow

*يحيى الكبيسي

البرنامج الحكومي وأزمة التعليم في العراق

18:19 السبت 16 فبراير 2019
article image

*يحيى الكبيسي

انفاذا لما جاء في المنهاج الوزاري الذي تقدم به السيد عادل عبد المهدي لنيل الثقة في تشرين الاول/ أكتوبر 2018، والذي تعهد فيه أن تقدم الحكومة برنامجا مفصلا خلال الـ 100 يوم الأولى من عمر الحكومة، اعلنت الحكومة العراقية في شباط/ فبراير 2019 عن برنامجها الحكومي للأعوام 2018 ـ 2022. والذي يفترض انه قدم «خططا تفصيلية بتوقيتات زمنية ومؤشرات أداء واضحة».

لقد تحدثنا أكثر من مرة عن مشكلات البرامج الحكومية السابقة، والتي ظلت مدونات إنشائية لا يقرأها أحد! وعن الفشل في تحقيق الحد الادنى مما جاء فيها من الالتزامات والتوقيتات الزمنية على مدى السنوات الماضية. ولكن حكومة السيد عادل عبد المهدي تقدم هذه المرة برنامجا يراد له أن يكون مختلفا تماما عما سبق، رغم أن المنهاج الحكومي الذي أعلنه لنيل الثقة، جاء مفرطا في عموميته وإنشائيته!

بالتأكيد لسنا بصدد تحليل البرنامج الحكومي، ولكننا سنحاول التركيز على واحدة من مفردات هذا البرنامج لتحليلها والوقوف على مدى تلبيتها للاحتياجات الحقيقية للقطاع المعني. وقد أخترنا قطاع التعليم تحديدا، نظرا للمشكلات المزمنة، والتحديات الحقيقية، التي تواجه هذا القطاع، في ظل فشل مزمن في إدارة هذا القطاع على مدى عقود. حظي قطاع التعليم، على مدى تاريخ الدولة العراقية الحديثة، باهتمام حقيقي، وصولا إلى سنوات السبعينيات التي وصل فيها قطاع التعليم إلى مستوى متقدم جدا، وهو ما تؤكده تقارير اليونسكو. ولكن سنوات الثمانينات، وبسبب الحرب العراقية الايرانية التي امتدت لثمان سنوات، واضطرار الدولة العراقية إلى تلبية متطلبات الحرب، انعكست بشكل واضح على عدم استمرار نمو وتطور هذا القطاع، لتأتي سنوات الحصار الدولي على العراق بعد احتلال الكويت (1991 ـ 2003) لتطيح بكل ما تحقق في هذا القطاع، وتحيله إلى قطاع يعاني من مشكلات جوهرية على جميع المستويات.

وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق، اعتقد الجميع أن قطاع التعليم سيحظى بأولوية كبرى، سواء على مستوى الميزانيات التي سوف تخصص له، او على مستوى إعادة الإعمار والبنية التحتية، او على مستوى السياسات التعليمية التي سيتم اعتمادها. ولكن الوقائع على الأرض كشفت عن فشل مركب في التعاطي مع هذا القطاع؛ بل حدث عكس ذلك تماما؛ حيث كان التعليم حاضرا في صلب الصراع السياسي/ الطائفي الذي حكم لعراق بعد 2003 وظهر ذلك في مناهج الدراسة جليا، بالإضافة الى قلة التخصيصات والفساد المؤسسي الصارخ، كل ذلك جعل مؤشرات التعليم تصل الى أسوأ مستوياتها على مدى تاريخ العراق الحديث.

 

إن مراجعة آخر الأرقام الرسمية المتعلقة بهذا القطاع تكشف مشكلات عميقة فيه، فعلى مستوى الأبنية المدرسية يعاني العراق من نقص شديد في الأبنية المدرسية، مع زيادة حادة في عدد التلاميذ والطلبة، الامر الذي دفع بوزارة التربية إلى معالجة ذلك التباين عن طريق زيادة عدد المدارس، وبالتالي اعتماد نظام الدوام المزدوج والثلاثي، أي دوام أكثر من مدرسة في المبنى نفسه، مع ما يترتب على ذلك من تقليل ساعات الدوام الرسمي، وبالتالي على المستوى التعليمي! فمراجعة الأرقام لعام 2017 ـ 2018 تكشف عن نقص شديد جدا في عدد رياض الأطفال في العراق، حيث لا يتجاوز عددها 719 روضة أطفال على مستوى العراق ككل، موزعة على 693 بناية. ويبلغ عدد الأطفال المسجلين فيها 172376 طفلا، وهذا يعني ان هناك ما نسبته 239.7 طفل لكل روضة، موزعين على 2754 شعبة/ صف، وهذا يعني 62.5 طفل لكل شعبة/ صف، وبنسبة معلم واحد لكل 28.9 طفلا، وهذا رقم غير مقبول تماما!

على مستوى التعليم الابتدائي للعام 2017 ـ 2018، بلغ عدد الأبنية المدرسية 10572 بناية، من بينها 149 بناية طينية، تشغلها 14901 مدرسة. ويبلغ عدد التلاميذ 5992284، في حين يبلغ عدد أعضاء الهيئة التعليمية 271597 معلما ومعلمة، وهذا يعني ان هناك معلما واحدا لكل 22 تلميذا نظريا. ،وذلك لأن عدد الشعب/ الصفوف التي يشغلها هؤلاء التلاميذ 157263 صفا، وهذا يعني 38 طالبا في كل صف! اما عدد المكتبات فلا يتجاوز 7044 مكتبة، وهذا يعني ان هناك 3528 مدرسة لا تتوفر على مكتبة!

أما على مستوى التعليم الثانوي، فيبلغ عدد الأبنية المدرسية 3469 بناية، تشغلها 7485 مدرسة، وهذا يعني ان النقص في عدد البنايات يصل إلى 4016 بناية إذا ما أريد الغاء الدوام المزدوج. ويبلغ عدد أعضاء الهيئة التدريسية 153506 مدرسا ومدرسة، في مقابل 2808854 طالب وطالبة، أي أن بنسبة مدرس واحد لكل 18.2 طالب، وهي نسبة تبقى نظرية فقط. فمراجعة عدد الشعب/ الصفوف التي تبلغ 70922 صفا، تعني عمليا أن الصف عدد الطلبة لكل هو 39.6 طالب لكل شعبة/ صف وهذه نسبة عالية جدا! اما بالنسبة لعدد المختبرات المدرسية فتبلغ 2464 مختبرا فقط، وهذا يعني ان هناك أكثر من ألف بناية مدرسية ثانوية لا تحظى بمختبر!

في مواجهة هذه الأرقام الصادمة، ما الذي نجده في البرنامج الحكومي المفصل للسنوات 2018 ـ 2022؟ يتحدث البرنامج الحكومي عما يسميه «الاستمرار بتطوير المناهج»! مع عبارات إنشائية عن «بناء جيل متعلم، رفيع المستوى… ونابذا للعنف والتطرف العنصرية»! من دون اعتراف بأن مناهج التعليم تشهد صراعا حقيقيا، تحديدا فيما يتعلق بمناهج التربية الإسلامية والتاريخ، وهو ما تحدثنا عنه في مقالة سابقة بعنوان «المناهج وغواية الأيديولوجيا»! والطريف أن كل ما يهتم به البرنامج هو التوزيع الكمي لهذا التطوير على مدى السنوات الأربعة بواقع 25٪ في كل سنة! أما فيما يتعلق بإدخال الحاسوب إلى الصفوف الدراسية، فالبرنامج يتحدث عن استهداف 500 مدرسة في كل عام! وهذا يعني أن العراق يحتاج إلى أكثر من 20 سنة لإدخال الحاسوب إلى مدارسه (يبلغ عدد المدارس الابتدائية والثانوية 22386 مدرسة)!

الفقرة الثانية فينا يتعلق بوزارة التربية تتعلق بدورات التدريب للهيئات التعليمية، فالبرنامج يتحدث عن استهداف 6000 عضو هيئة تعليمية بهذا التجريب على حساب البنك الدولي، بواقع 3000 آلاف لكل سنة في الاعوام 2019 و2010. وإذا ما علمنا ان عدد اعضاء الهيئة التعليمية يبلغ 271597 معلم ومعلمة في التعليم الابتدائي، فهذا تعني ان نسبة المتدربين لا تزيد عن 2.2٪ من عدد المعلمين! كما أن البرنامج يكشف انه في حالة عدم وجود منحة خارجية فلا يوجد هكذا تدريب، على الرغم من اعتراف الجميع بوجود مشكلة حقيقية في مستويات هؤلاء المعلمين والمعلمات، بدليل عدم وجود أي حديث عن هكذا تدريب في الأعوام 2021 و2022!

الفقرة الثالثة تتعلق بإنجاز المدارس، والبرنامج يتحدث عن بناء 3200 مدرسة، بواقع 850، 850، 750، 750 مدرسة على التوالي في كل عام خلال السنوات الأربع القادمة، فضلا عن 73 مدرسة اخرى من القرض الكويتي بواقع 23، 20، 15، 15 مدرسة على التوالي خلال السنوات الأربع القادمة. مع محاولة اكمال بناء 600 مدرسة غير مكتملة خلال 2019 و2020 بواقع 350، 250 من مجموع 1626 مدرسة غير مكتملة، ولا أحد يعرف لماذا لا يتم إكمالها جميعا!

إن الخطط التفصيلية والتوقيتات الزمنية ومؤشرات الأداء الواضحة التي نواجهها في هذا القطاع، تكشف عن بقاء البرنامج الحكومي مجرد ملء فراغات شكلية بعيدا عن أي استراتيجية حقيقية، كما تكشف عن فشل حقيقي في مراجعة كل وقائع الفشل السابقة ومحاولة معالجتها وتخطيها!

 

نقلاً عن “القدس العربي”

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل