fbpx
Shadow Shadow

آلان نوري

الانتخابات التمهيدية الأمريكية.. ماذا تعلمنا؟

19:00 الخميس 06 فبراير 2020
article image

آلان نوري

 

بدأ موسم الانتخابات الرئاسية الأمريكية يوم 3/2/2020 بالانتخابات التمهيدية الداخلية للأحزاب في ولاية آياوا. و هي ولاية تتبع نظام الكوكس في ادارة هذه الانتخابات.

حصل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، كما كان متوقعا، على اكثر من 97% من اصوات ناخبي الحزب الجمهوري. و ذلك فيما كان ما يزال يحاكم من قبل مجلس الشيوخ حسب لائحة تهم أعدها مجلس النواب، تتلخص في اساءة استخدام السلطة و اعاقة عمل السلطة التشريعية. الأمر الذي يدل على ان الحزب قد ربط مصيره في هذه الإنتخابات الرئاسية و التشريعية بهذا الرئيس المثقل بالفضائح و المخالفات القانونية المعلنة و التي في طريقها الى الظهور للعلن بشكل اسبوعي.

اما فيما يتعلق بالحزب الديمقراطي، فالعملية الانتخابية في آياوا قد تعرضت الى نكسة. حيث فشلت الإدارة المحلية للحزب لغاية اعداد هذا المقال في اعلان النتائج النهائية الكاملة، التي كان يفترض بها ان تعلن في نفس الليلة، كما كان معتادا في السنين الماضية.

تحمل وسائل الإعلام الأمريكية مسؤولية هذا الفشل، مناصفة، على عدم كفاءة الهيئة الادارية الحزبية المشرفة من جهة، و على نظام الكوكس الانتخابي من جهة ثانية. الا ان نظرة متفحصة لما وراء هذا الخبر تكشف مشهدا مختلفا، سنحاول تناوله بشيء من التفصيل.

نظام الكوكس الانتخابي يقسم الى ثلاث مراحل: مرحلة التصويت الأولي، مرحلة التصويت البديل، و اخيرا مرحلة تحديد المندوبين المربوطين بالتصويت لمرشحيهم في مؤتمري الولاية و الوطني العام.

في الإنتخابات السابقة، كانت الهيئة الأدارية تلتزم فقط بإعلان نتائج المرحلة الأخيرة المتعلقة بعدد مندوبي كل مرشح. ولكن بعد ان تكشف في انتخابات عام 2016، ان الأصوات المباشرة التي حصل عليها (بيرني ساندرز) في آياوا كانت اكثر من ما حصلت عليه (هيلاري كلينتون)، و ان هذه المعلومة كان يمكن لها ان تغير مجرى الانتخابات التمهيدية اللاحقة، في حال لو انها وصلت الى ناخبي الحزب الديمقراطي في الوقت المناسب. لذلك فقد قررت ادارة الحزب ان تنشر ارقام المراحل الثلاث في نفس الليلة ابتداءا من الانتخابات الحالية. و قد تعاقدت الهيئة الإدارية، بشكل سري وغامض، مع  شركة اهلية، باسم مريب هو (ِشادو: ظل)، و تبيّن أن التطبيق الذي استخدمته هذه الشركة هو الذي تسبب في اغلب التخبط والتأخير في اعلان النتائج. و تبين ايضا ان هذه الشركة يدفع لها جزئيا، واحد من بين المنافسين على ترشيح الحزب للانتخابات الرئاسية، و هو (بيت بوديجيج)، الذي يتصدر حاليا و بشكل غير متوقع المتنافسين في نسبة مصوتي المرحلة الثانية (مرحلة التصويت البديل) التي على اساسها تحدد عدد مندوبي كل مرشح!

خبر كهذا يفتح جراحات عميقة من جراء مآل الانتخابات العامة في العراق واقليم كردستان. ولا مفر من استخلاص أن تسليم مسؤولية حساسة كتقرير بيانات الخيار السياسي الحر للمواطنين الى جهة هادفة للربح تضع ثقة المواطن بصيانة حقه في التعبير الحر في خطر، في أي بلد كان في العالم.

وقد دفع العراق، ولازال، ثمنا باهضاً نتيجة فضائح آخر انتخابات عامة جرت في البلد فعمقت ازمة الحكم الى حد استشهاد ما يقارب 700 مواطن وجرح اكثر من 10000 آخرين منذ اكتوبر الماضي، و الحبل على الجرار.

لا خلاف على ان القطاع الخاص قادر على آليات عمل افضل واسرع من القطاع العام في مجالات عدة، ولكن صيانة ثقة المواطن بالحفاظ على نزاهة العملية المعبرة عن اختياره السياسي لا يمكن أن يكون احد هذه المجالات.

الإشكالية الثانية من وراء الحدث هو نظام الكوكس الانتخابي، و هو ليس واسع الانتشار في ديمقراطيات العالم، لكنه ليس نادرا ايضا. و هو احد اشكال مبدأ الانتخاب المتعدد، و في جوهره هو كالآت: يجتمع ناخبو المركز الانتخابي في قاعة وتعلق في كل زاوية منها اسم واحد من المرشحين، فيصطف تحت لافتة كل اسم من يعتقد بأفضليته على الآخرين، و يتم تعداد الناخبين تحت كل يافطة على حدة وتسمى هذه المرحلة بالتصويت الاولي. فإذا تبين ان ناخبا ما لم يحصل على نسبة معينة سلفا يطلب من مؤيديه ترك لافتته و التوجه في عملية اختيار ثانية الى مرشح آخر لا زال في التنافس. فيختارون بذلك من يحضى بقبولهم بالدرجة الثانية. و هذه تسمى مرحلة التصويت البديل، و تتحول القاعة في هذه المرحلة الى بازار سياسي يحاول انصار كل مرشح باقي ان يجروا اكثر عدد ممكن من الذين يشملهم التصويت البديل تحت لافتة مرشحهم. و تعتبر النتائج المترتبة عن نسب الاصوات في المرحلة الثانية هذه تعبيرا اعمق عن ارادة الناخبين. ذلك لأن هذا النظام لا يحرق فرص الناخب في حال فشل اختيارهم الاول، و الذين يتم اختيارهم بهذه الطريقة، و إن لم يكونوا الاختيار الاول للناخب، فسيكونون البديل الاكثر قبولا بعد مرشحهم الأساسي. و سيدفع هذا النظام المرشح ايضا الى عدم الاعتماد الحصري على متعصبيه (قبليا: بالمعنى السياسي للقبيلة) و محاولة ان يكون مقبولا خارج اطار قبيلته ايضا.

في آياوا مثلا، و حسب الارقام الاولية المتوفرة، فإن المرشحة (اليزابيث وارن) التي حصلت على نتائج مخيبة في المرحلة الاولى، استطاعت ان تحصل على نسبة تزيد على الـ 18% من جراء اعتبارها بديلا مقبولا لاختيار اولي فاشل للعديد من الناخبين.

هذا النظام الانتخابي قد يكون دواءا ناجعا في بلدان تعاني من قبلية سياسية مستفحلة، بإنتاجها لطبقة سياسية نابذة لخطاب العنف الفكري و السياسي و المجتمعي، و ان بدوافع ذاتية مصلحية.

من المؤسف ان هذا النظام الانتخابي ليس من ضمن السلع والقيم الثقافية التي نستوردها من بلدان مهيمنة كالولايات المتحدة، و ليس من جملة ما “اهدتنا” الولايات المتحدة عند احتلالها للعراق.

من البديهي ان نظام الكوكس هذا ليس الاكثر فاعلية في كل زمان و مكان، و يشير المعارضون له الى استغراق عملية التصويت وقتا طويلا لا يناسب الحياة المعاصرة للناخبين المبنية على السرعة وتعدد الالتزامات الحياتية. ولكن هنالك نظم انتخابية تنتمي لمجموعة التصويت المتعدد التي تستغرق نفس الوقت الذي يستغرقه النظم الانتخابية السائدة حيث تصمم استمارات التصويت بما يتيح للناخب بيان خياره الاول و الثاني والثالث و يملؤها دفعة واحدة فتضمن بذلك عدم حرق خياراته لمجرد ان المفضل الاول عنده لم يحصل على النسبة المطلوبة.

قد يقول قائل في العراق ان عندنا نظام مشابه هو المعروف بـ (سانت ليغو) الذي يعيد توزيع الاصوات المحروقة على القوائم الفائزة، ولكن نظام سانت ليغو لا يأخذ خيارات الناخب بنظر الاعتبار في عملية اعادة التوزيع، بل وغالبا ما يعطي الاصوات المحروقة الى قوائم او اشخاص هم الابعد عن تفضيلات الناخب الذي تم تدوير صوته.

يبدو ان نظام الكوكس في ولاية أياوا سيكون ضحية لفضيحة الادارة المحلية للحزب الديمقراطي في الولاية، ولكن أمل الفلسفة السياسية التي يستند عليها هذا النظام الانتخابي سوف تستمر، و يتسع نطاق تبنيها دوليا بفضل وعي الناس بها، خصوصا في البلدان التي ابتليت بأحزاب متوحشة كبلداننا.

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
close

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل