fbpx
Shadow Shadow

*عبدالرزاق أبو طحين

إيران وأجيال الوطنية العراقية الصاعدة

22:33 الإثنين 11 نوفمبر 2019
article image

 

 

 

*عبدالرزاق أبو طحين

 

كيف يمكن وصف موقف العراقيين من إيران في التظاهرات الأخيرة؟ ما هي الأسباب التي تقف وراء غضب العراقيين اللافت للأنظار؟! كان الإيرانيون أول من أعلن دعم عملية التغيير عام 2003، فتخلصوا من عدوهم اللدود (صدام حسين ونظام البعث) وسعوا إلى دفع حلفائهم إلى المشاركة في العملية السياسية الجارية التكوين. ومع أننا لا نعرف على نحو دقيق حتى الآن مقدار تنظيم الإيرانيين لتلك المشاركة ولا طبيعة مقترحاتهم على حلفائهم، إلا أن وجود الدعم الإيراني للنظام الجديد ليس محلاً للشك لدى أغلب العراقيين. على حساب ماذا جاء هذا الدعم الإيراني؟ وماذا ربح الإيرانيون منه؟ هذا سؤال آخر بحاجة إلى دراسة. ما يهمنا الآن هو رصد بعض العوامل التي أسهمت في تنامي القطيعة بين العراقيين كشعب من جهة، والنظام السياسي الحاكم في إيران من جهة أخرى.

في تقديرنا أن ما جرى بعد التغيير عام 2003 سيكون تأثيره حاسما على العلاقة بين الطرفين، وهذه بعض النقاط التي توضح ما نعنيه:

 

أولاً: مرت 16 سنة والعراقيون يَرَوْن أن الإيرانيين يدعمون أكثر من فصيل مسلح غير خاضع لسلطة الدولة؛ ومع أن بعض تلك الفصائل قدمت تضحيات جليلة في دحر تنظيم القاعدة وداعش إلا أن العراقيين اعتبروا وجودها بنحو موازٍ للدولة إضعافًا للدولة وزعزعة لسيادتها من جهة، وورقة للضغط على الحكومة والقوى السياسية وتهديدها من جهة أخرى.

 

ثانياً: كان النظام السياسي الذي تشكل بعد 2003 يعتمد اعتماد كبيرًا على البرلمان. في هذا الأخير كانت تعين كل أركان الدولة (رئيس الجمهورية، رئيس الوزراء، رئيس البرلمان، القضاة، قادة الجيش، السفراء، وغيرهم). كانت الأحزاب هي التي تمارس هذه العملية المعقدة، وكان جميع تلك التعيينات تخضع للتفاوض داخل البرلمان، ومع التفاوض تنشأ الصفقات. الحديث في الشارع العراقي يتعاظم يوما بعد آخر أن إيران تعد واحداً من أكبر اللاعبين في عمليات التفاوض تلك. وهذا ما خلق قناعة لدى العراقيين أن إيران مساهمة مساهمةً كبيرة فيما يجري داخل العملية السياسية من تطورات وصفقات وتحالفات.

 

ثالثا: كان أداء حلفاء إيران مخيبا للآمال بنحو لا يوصف؛ كانوا عاجزين عن بناء أي تجربة نجاح في أي مجال من مجالات الحياة التنموية والاقتصادية العراقية، مع تفشي لحالات فساد لا نظير لها في العالم. هذا الوضع خلق فاصلا بين العراقيين وقواهم السياسية، وهذا بدوره انعكس على موقف العراقيين من ايران بحكم علاقة هذه الأخيرة بتلك القوى.

 

رابعا: تصريحات المسؤولين الإيرانيين وتباهيهم بدورهم في العراق وحجم نفوذهم قوبل بشعور بالمهانة لدى العراقيين بأن دولتهم لا تملك الاستقلال السياسي اللائق بميراثهم الوطني كشعب عصي على الاستعمار والخضوع والهيمنة. هذه التصريحات كانت بمثابة استفزاز مستمر لمشاعر الذات الوطنية العراقية.

 

خامسا: كان التغيير عام 2003، وبسبب طبيعة تكوين العملية السياسية، متزامنا مع صعودٍ هائلٍ للهويات الفرعية في العراق. وقد تمثل هذا الصعود الهوياتي في المجال الاجتماعي الشيعي بحضور الطقوس والشعائر المذهبية بنحو غير مسبوق في تاريخ العراق. فمثلا تحولت الزيارة الأربعينية من منسك ديني يعبّر عن محبة أهل البيت والتعاطف معهم إلى موسم استعراضي يُظهر فيه الشيعة حجمهم الديمغرافي وهويتهم الدينية. دخول إيران على الخط تمثل بتشجيعها مواطنيها على الانخراط في تلك المسيرات والطقوس. ويوما بعد آخر بدأ يتزايد حضور الإيرانيين بشكل ملفت حتى ولّد إحساسًا مضادًا بوجود زحف إيراني يهيمن على الفضاء الاجتماعي العراقي، وهذا ما ساعد على بروز حالات التذمر والشكوى لدى العراقيين من حضور الإيرانيين في بلدهم.

 

سادسا: كان التغيير عام 2003 قد منح العراقيين فرصة كبيرة بالسفر خارج العراق، وهو الأمر الذي حرموا منه لفترة طويلة بسبب الحروب والحصار والإجراءات الأمنية التعسفية التي كان النظام السياسي يلاحقهم بها آنذاك. وكانت أعظم وأوسع تلك السفرات والرحلات بعد 2003 تتجه إلى إيران، سواء أكانت بدافع دينية أو ترفيهية أو علاجية أو تجارية. تدفق العراقيين الكبير جدا خلق احتكاكا بين الشعبين لا سابق له. كان طبيعيًا والحالة هذه أن تصدر من الإيرانيين حالات غير سارة من التعامل اللامنصف أو الخشن، أو أشكال من السلوك الاستغلالي، وربما يتمادى البعض بخرق القانون والتجاوز وانتهاك حقوق السواح العراقيين. هذه الحالات كان العراقيون يتناقلونها بشكل واسع، وتنتشر أخبارها بينهم إنتشارا كبيرا؛ وهو بدوره ما أوجد أثرًا سلبيًا في نفوس شريحة اجتماعية ليست بالصغيرة.

سابعا: قد تكون الملاحظة الآتية قيلت كثيرًا ومع ذلك لا يجب التقليل من أهميتها على الإطلاق. في عام 2019 نحن نشهد نضوج أجيال جديدة لا تشبه الأجيال العراقية التي سبقتها. يمكننا أن نسميها (وهذا مجرد مقترح أولي) بأجيال الوطنية العراقية، وهي تختلف اختلافًا جذريًا عما تقدمها من أجيال في العراق. هذه الأجيال الجديدة ليست جزءا من صراع الإيديولوجيات السابقة التي مر بها العراق؛ إنهم ليسوا قوميين ولا يساريين ولا إسلاميين! لا تربطهم أي رابطة رومانسية بإي أنموذج عقائدي متخيل كما تعكسه المذاهب والاتجاهات الفكرية السائدة في القرن العشرين. عواصم ومدن كلندن أو باريس أو براغ أو القاهرة أو دمشق أو طهران لا تعني لهم شيئًا، اللهم إلا أن تكون في سياق أوسع هو سياق العولمة والعالم المنفتح اللامحدود. هذا الجيل الجديد لا يفهم علاقته بطهران كعمق استراتيجي كما ظن آباؤهم. طهران لا تلهمهم شيئًا، كما لا يكترثون بمشاريعها الثورية في مواجهة الاستكبار العالمي وبناء محور المقاومة. إنهم ليسوا أعداء لها ولكن مشاكلها ليست مشاكلهم، وأحلامها ليست أحلامهم، وتحدياتها ليست تحدياتهم. هذه القطيعة ليست قائمة على الكراهية الثقافية أو التمايز العرقي أو التعصب الإيديولوجي بقدر ما هي اختلاف في فهم العالم وآلية التعاطي معه.

ثامنا: إن البيئة الدينية للحوزة العلمية في النجف بعد 2003 كان مرتعا مثاليا لظهور الحركات المهدوية والزعامات الدينية المنافسة( حركة جند السماء، حركة اليماني، مرجعية الصرخي، مرجعية البديري، مرجعية الطائي، وغيرهم). لقد كانت هذه الحركات الدينية والمرجعيات الفقهية محل جدال واسعة، ولم يتم الاعتراف بها علميا، وبقيت مصنفة كتيارات فكرية مهرطقة ومنحرفة، بل وقوبلت في أحيان كثيرة بالقمع والملاحقة (ومازال يلف الغموض تفاصيل حركة جند السماء وماهية عقيدتها وأسباب الإبادة الشاملة التي تعرض لها معتنقيها). إن أتباع هذه الحركات وإن اختفوا من المشهد الاجتماعي العام إلا إنه لم يتم القضاء عليهم بالكامل، بل بقي الكثير منهم ملتزما بخياره الديني وعلى قناعة بما يمليه عليه. ومع تزايد ضغوط الحوزة عليهم وملاحقة أحزاب الإسلام السياسي الشيعي المرتبطة بإيران لهم تنامى لديهم مشاعر كراهية عميقة لكل ما هو إيراني، مع ظهور نزعة رافدينية وعروبية لديهم تخالف كل ما له علاقة بإيران وتتنفر منه. وهؤلاء الأتباع لا يفوتون فرصة للتعبير عن هذه المشاعر والأفكار المضادة لإيران.
في الختام كان هذه ملاحظات سريعة عن بعض أهم العوامل التي خلقت ما نشاهده اليوم من مشاعر الغضب من النظام الإيراني وكل ما يرتبط به. إن استعادة الثقة بين هذه الأجيال العراقية الجديدة والأنظمة السياسية في بلدان الجوار (وهذا التعميم هدفه عدم ابتسار المشكلة مع الطرف الإيراني فقط) تبدأ من استيعاب التحولات الفكرية / السياسية التي تمر بها هذه الأجيال، واعتماد سياسات لا تخدش الكرامة الوطنية لهم ولا تقلل من سيادة دولتهم. إن مجالات التعاون وإيجاد المبادرات القائمة على الاحترام المتبادلة يمكنها أن تقدم فهمًا متلائما مع مبدأ حسن الجوار الذي نحن بأمس الحاجة إليه هذه الأيام. لقد أخطأت الأنظمة العربية حين راهنت على نظام صدام حسين فدعمته ووقفت إلى جانبه على حساب معاناة العراقيين وبؤسهم وشقائهم، واليوم ينبغي على النظام الإيراني أن لا يرتكب الخطأ ذاته في المراهنة على القوى السياسية الحليفة لها في النظام السياسي القائم. إن الأنظمة تتغير ولكلِ الشعوب باقية إلى الأبد، وما يلزم الإيرانيين هو الرهان على العراقيين كشعب وليس الحلفاء منهم في النظام السياسي.

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
close

على مدار الساعة

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل