fbpx
Shadow Shadow

"شهيد الثورة الحي"

أوقفه أوباما وحاول الموساد ونفذ ترامب.. رحلة قرار اغتيال “سليماني” من تل أبيب إلى “مارآلاغو”

09:53 الأربعاء 08 يناير 2020
article image

بغداد – ناس

نشر موقع “ميدان” التابع لشبكة الجزيرة القطرية، تقريرا مفصلا عن عمليات الاغتيال السابقة التي تعرض لها قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، الذي قتل في غارة أميركية ببغداد مؤخرا.

“ناس” ينشر النص الكامل للتقرير، من دون اي تدخل:

بالنسبة لقاسم سليماني، أحد أرفع جنرالات إيران و«شهيد الثورة الحي» كما يحب المرشد الأعلى آية الله “خامنئي” وصفه؛ كان من الصعب عليه بمكان على الأرجح تصديق أن واشنطن ربما تصبح في وقت ما ملاكه الحارس، وأن تنقذه يومًا من عملية اغتيال شرسة، لكن ذلك ما حدث بالفعل، وللمفارقة فقد قام الأميركيون بإنقاذ “جنرال الظل” منذ أقل من خمس سنوات من أقرب أصدقائهم، الإسرائيليين أنفسهم.

كانت الفترة بين أكتوبر/تشرين الأول 2014 وديسمبر/ كانون الأول 2015 حافلة لسليماني في العراق بالأخص، وقد بدأها “محرك الدُمى” الإيراني الأكثر نجاعة بزيارات معلنة متكررة لقوات البيشمركة الكردية التي كانت تقاتل تنظيم داعش في آمرلي وجرف الصخر، وكان ذلك الظهور الإعلامي الأول للجنرال الغامض في مسرح عمليات بالوكالة لبلاده، ملتقطًا صورًا مع قادة البيشمركة، ثم أتى عام 2015 حاملًا صعودًا لـ «فارس الظلام» كما أسمته مجلة “فورين بوليسي” كنجم سياسي حقيقي، وتتالت صوره في العراق مع ميليشيات الحشد الشعبي في مواجهات “تكريت” الشهيرة ضد التنظيم، والتي كان يقودها بنفسه في تلك المعارك، فضلًا عن زياراته لسوريا أيضًا والتي عملت فيها أذرع إيران وميليشياتها بإشرافه وتخطيطه على مواجهة المعارضة المسلحة لصالح نظام “بشار الأسد”.

لا أحد يعرف على وجه الدقة متى اتخذت إسرائيل في ذلك العام القرار العملي بتصفية الجنرال المرموق، لكن جريدة “الجريدة” الكويتية، وهي صحيفة على اتصال بمصادر إسرائيلية رفيعة وسبق لها الانفراد ببعض حصريات موثقة في الشؤون الإيرانية والعراقية والإسرائيلية؛ كشفت أن الاغتيال كاد أن يتم أثناء إحدى زيارات سليماني الميدانية قرب دمشق، إلا أن بعض دوائر واشنطن الاستخباراتية وقتها أبلغت الإيرانيين بوسيلة غير معلومة بمحاولة الإسرائيليين اغتيال “سليماني”، حيث رأت بعض أجنحة العاصمة على الأرجح نجاح الجنرال وميليشياته في كبح جماح تنظيم داعش وانتصارات قواته وأنه في صالحهم، فضلًا عن أن اغتيال الجنرال كان سينسف غالبًا جهود 9 سنوات من مفاوضات الاتفاق النووي الموقع في 2015 أيضًا، لينجو سليماني وينشئ الاغتيال غير الناجح خرقًا واسعًا في العلاقات الوثيقة بين الدوائر الاستخباراتية الأميركية والإسرائيلية.

رأى رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” حينها، من كان على خلاف عميق مع الإدارة الأميركية الموشكة على الرحيل برئاسة “باراك أوباما”؛ أن الاغتيال كما اقتضت العادات الإسرائيلية ليس الوسيلة الوحيدة المناسبة لتنحية خصم عتيد مثل سليماني، لذا وبدلًا من بذل الجهد ومطاردة الجنرال في متاهات الشرق الأوسط؛ اقترح “نتنياهو” رفقة “أفيف كوتشافي” رئيس أركان جيش الاحتلال و”يوسي كوهين” مدير الموساد هندسة حملة إعلامية لتشويه سُمعة “سليماني” أمام الإيرانيين، ودق إسفين عميق بينه وبين “خامنئي” يفضي للإطاحة به في نهاية المطاف.

تخبرنا المصادر الاستخباراتية ببعض تفاصيل القصة المثيرة لمحاولة الإسرائيليين زرع فكرة غير تقليدية في عقول عشرات الملايين من الإيرانيين على الأقل، ففي 2016 شُكلت لجنة صغيرة مشتركة من الموساد والاستخبارات العسكرية “أمان” تقوم بتغذية المواقع المختلفة، والصحافة التقليدية وكذا الرأي العام الإيراني بدفق خبري منظم ومتدرج وشامل يُحمّل سليماني مسؤولية الأزمة الاقتصادية أمام مواطنيه، ويخبرهم باستمرار أن تكلفة الشبكة الإيرانية، التي أنشأها سليماني ويقودها بنفسه، في لبنان وسوريا والعراق واليمن عالية للغاية، وأنهم يتحملوها كدافعي ضرائب مما يتسبب في فقرٍ عامٍ متزايد.

لكن الجميع في إسرائيل يبدو أنهم نسوا معلومة بسيطة للغاية وراسخة لدى عامة الإيرانيين: لا يتحرك سليماني إلا من خلال “خامنئي”، وأنه في أعينهم ينفذ أوامره دومًا، لذا وفي أكتوبر الماضي أقرت بعض المصادر الإسرائيلية المطلعة أن العملية قد فشلت بسبب تلك الحقيقة البديهية، بل وذهب عدد منهم للقول بأن العملية أسهمت في تقوية العلاقة بين سليماني وخامنئي وأكسبتها متانة أكبر، وللمفارقة، فقد استغل سليماني الحملة الإسرائيلية للإشارة المستمرة بأن حياته في خطر أكبر من المعتاد، مما أكسبه حماية إضافية في كل مكان، أما ربحه الأهم فكان إقناعه لخامنئي بتغيير استراتيجية التعامل مع الضربات الإسرائيلية، حيث انتهجت إيران غالبًا سلوك “الاحتواء” في مواجهة ضربات تل أبيب لأذرعها في المنطقة، لكن سليماني أراد تغيير ذلك والرد على كل ضربة على حدة واستهداف المصالح الإسرائيلية بالمقابل بشكل سريع.

في خضم ذلك ومع تولي “دونالد ترامب” للرئاسة، تغيرت الاستراتيجية الأميركية في التعامل مع إيران من التفاهم إلى محاولة هدم حكومة روحاني وتغيير النظام، وقد فعل ترامب ذلك على مدار ثلاثة أعوام بأقصى ما يستطيع، فأعاد نخب طهران للمربع صفر وألغى الاتفاق النووي بعد عام ونصف فقط من رئاسته، أبريل/نيسان 2018″؛ وصنف الحرس الثوري كـ “منظمة إرهابية” في أبريل التالي من العام الماضي، وطبق خلال رئاسته وللآن حملة «أقصى ضغط» لتركيع نظام الملالي بعقوبات اقتصادية صارمة، لكن إحدى الخطوات الأميركية المبكرة تجاه طهران لم تكن في كل ذلك، وإنما خصت الجنرال نفسه وكُشف عنها في اليوم الأول من عام 2018: لقد أنهى الإسرائيليون الأميركيون ثلاث سنوات من الخلاف على “سليماني”، واتفقا على أنه وشبكاته تهديد لمصالحهما، وأعطت الاستخبارات الأميركية الضوء الأخضر للإسرائيليين لاغتياله إن استطاعوا.

كان من الواضح أن الإسرائيليين الأميركيين قد ضاقوا ذرعًا بسليماني، ولم يكونوا وحيدين في ذلك، فقد شاركتهم السعودية قبلها عندما كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن اجتماعًا عام 2017 ضم مسؤولي استخبارات سعوديين رفيعي المستوى مع رجال أعمال قد ناقش إنشاء برنامج اغتيالات لبعض الرموز الإيرانية عن طريق شركات خاصة، وطرح بعضهم اغتيال سليماني اسمًا، لذا كان العامين الأخيرين بالنسبة له على الأرجح هما الأكثر تهديدًا لحياته، وتأكد ذلك عندما حاولت فرقة مكافحة إرهاب وفرقة خاصة أمريكيتان بمساعدة الموساد، في سبتمبر/أيلول 2018، اغتياله على الأراضي العراقية عندما تحرك من بغداد في طريقه لمحافظة “صلاح الدين”، ثم انفجرت في موكبه سيارة مدرعة فُخخت بكم كبير من المتفجرات، وكان من المفترض أن تكون سيارته على مقربة من العربة المفخخة، لكنه أبدل مركبته ثلاث مرات في الطريق ما أنقذه من الموت، بينما أطاح الانفجار بعدد من مساعديه وأوقع خسائر بشرية كبيرة في الموكب.

أكدت تلك المحاولة جدية النيات الإسرائيلية والضوء الأخضر الأميركي لتصفيته، محاولات لم تتوقف وكان آخرها ما أعلنه “حسين طائب” رئيس استخبارات الحرس الثوري منذ ثلاثة أشهر، الثالث من أكتوبر الماضي، عن القبض على ثلاثة أشخاص حاولوا تفخيخ منطقة زيارة سليماني أثناء احتفالات عاشوراء السنوية في سبتمبر الماضي أيضًا ونسف موكبه، مضيفًا أنها محاولة إسرائيلية بتنسيق مع بعض الدول العربية، ويبدو أن الأحداث الأخيرة في العراق والتي بدأت بقصف صاروخي على قاعدة “كيه 1” العسكرية بكركوك قُتل فيه متعاقد مدني أميركي منذ أسبوع، ثم القصف الأميركي الجوي العنيف بعدها بيوم لمواقع الحشد الشعبي، 29 ديسمبر المنصرم، والذي أسقط أكثر من 70 شخصًا بين قتيل وجريح، ثم حصار السفارة الأميركية ببغداد من قبل الحشد ردًا على ذلك؛ يبدو أنها سلسلة أحداث حملت برقية نعي سليماني مسبقًا، وهو نعي أتى بأوامر ترامب المباشرة.

ناس 

الكابوس لا يأتي مرتين

في أدبيات الكوارث السياسية الأميركية نجد عددًا قليلًا من العلامات البارزة التي تمثل دومًا للمسؤولين كابوسًا لا يمكن السماح بتكراره، وتأتي حادثة رهائن السفارة الأميركية بطهران في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1979 كواحدة من أهم كوابيس تلك القائمة، حين اقتحم الإيرانيون السفارة في خضم “الثورة الإسلامية” محتجزين 52 أمريكيًا لأكثر من عامٍ وشهرين، وتحمل الذاكرة الأميركية والعالمية عددًا من التداعيات وردود الأفعال التي تم فيها معاملة الولايات المتحدة كدولة في العالم الثالث، بداية من مطالبات الرئيس “جيمي كارتر” الودية لنظرائه الإيرانيين بالإفراج عن المحتجزين لأسباب إنسانية، ثم محاولات التفاوض غير الناجحة، ومرورًا باستخلاص الإيرانيين لوثائق سرية من السفارة كشفت عن بعض أدوار الاستخبارات الأميركية والبريطانية في إيران ونشرها علانية، ووصولًا لعملية  “مخلب النسر” العسكرية الأميركية لتحرير الرهائن في أبريل 1980 والتي فشلت فشلًا ذريعًا متسببة في تدمير طائرتين ومقتل ثمانية جنود أميركيين وإيراني واحد، وليس انتهاءً بتسبب الحادثة بشكل رئيس في هزيمة “كارتر” في الانتخابات الرئاسية وتولي خلفه “رونالد ريجان” للرئاسة.

لذلك يحمل الأميركيون إرثَ ذاكرة ثقيل عندما يأتي الأمر لسفارات دولتهم في أي مكان، ويتعاظم ذلك الإرث عندما يتعلق الأمر بالسفارات الأمريكية في الشرق الأوسط، وربما تأتي سفارة المنطقة الخضراء بالعراق على رأس القائمة، وقد كان ذلك على الأرجح ضمن ما دار في رأس “ترامب” ومستشاريه عندما وصلتهم منذ أيام قليلة تقارير محاصرة السفارة الأمريكية ببغداد عشية رأس السنة الجديدة من قبل مئات من أعضاء ومؤيدي الميليشيات الشيعية والحشد الشعبي وغيرهم بعد القصف الجوي العنيف، فارضين حصارًا على مجمع السفارة بالمنطقة الخضراء (الحي الدولي)، وهو حصار تم في وجود القوات العراقية المسؤولة عن حماية المنطقة، حيث عبر المتظاهرون من أسوار المنطقة الخضراء وصولًا للسفارة بلا عقبات تذكر، في مشهد غير مباشر جسد التوتر الحالي في العلاقات الأميركية – العراقية والمتواجد قبل مقتل سليماني بفترة طويلة.

في الحقيقة، وفيما يتعلق بتعامل ترامب مع الإيرانيين، فإنه كان مدفوعًا إلى هذه الضربة خاصة بعد أدائه المتذبذب منتصف العام الحالي في مواجهتهم على الأقل لحفظ ماء وجهه أمام إدارته وقيادات البنتاجون ومؤيديه من مشرعي الكونجرس، ويقبع ذلك التذبذب في مقدمة الذاكرة المشتركة للمذكورين على الأرجح بعد حادثة الدرون الشهيرة قبل أقل من سبعة أشهر من اغتيال سليماني، في يونيو/حزيران الماضي، وكان ذلك عندما أسقطت الدفاعات الجوية الإيرانية طائرة بدون طيار من نوع RQ-4 Global Hawk، وهي إحدى أغلى وأكبر الطائرات بدون طيار في الترسانة الأميركية، حيث تبلغ قيمة الواحدة منها ما بين 150 و200 مليون دولار.

يومها كانت هناك اجتماعات عاصفة في البيت الأبيض بين ترامب ومستشاريه وبعض قيادات البنتاجون وبعض أعضاء الكونجرس لمناقشة الرد المناسب، واستقر الأمر في الأخير على توجيه ضربات جوية وبحرية صاروخية مركزة وسريعة داخل الحدود الإيرانية لبعض مواقع الدفاعات الجوية وبعض بطاريات الصواريخ المركزية قبيل الفجر، واستعدت قيادات البنتاجون لقضاء ليلة طويلة لمتابعة العملية وردود أفعال الإيرانيين، وبالفعل حلقت الطائرات وتمركزت السفن الحربية الأمريكية في مضيق هرمز، وبالنسبة لترامب كانت هذه الضربة ستعد الثالثة في غضون ثلاث سنوات بعد ضربتين صاروخيتين في 2017 و2018 على سوريا، لكنه عاد بعد 10 دقائق من إصدار الأمر وأوقف الضربة وأعاد الطائرات والسفن لأماكنها التقليدية وسط دهشة الحاضرين.

لا أحد يعلم على وجه الدقة ما الذي دفع ترامب لتغيير قراره بضرب إيران من الداخل، ربما كان القلق من رد فعل إيراني واسع النطاق لا يمكن مواجهته إلا بعملية عسكرية أميركية واسعة في الخليج، وربما قرر ترامب أن إسقاط طائرة أميركية بدون طيار، حتى ولو كانت باهظة الثمن ومتطورة، لا يستدعي إشعال حرب ستلقي باستقرار الخليج وحلفائه هناك للجحيم على الأرجح لفترة غير معلومة، وفي كل الأحوال وأيًا ما دار في رأس الرئيس الأميركي فإنه خرج بعدها ليصرح أن الضربة ربما كانت «غير متعمدة من الإيرانيين، وربما قام بها أحد طائش وغبي» حد تعبيره، قبل أن تهدأ الأمور ويكتفي بإسقاط قواته الجوية لطائرة درون إيرانية في الشهر التالي مباشرة، يوليو/تموز الماضي.

يؤمن بعض عسكريي البنتاجون وبعض صقور واشنطن أن هذه الحادثة أعطت إيران الجرأة اللازمة لهندسة هجماتها الشاملة على أرامكو في سبتمبر الفائت، وهي هجمات لم يثبت رسميًا تورط إيران فيها رغم إيمان الجميع تقريبًا في واشنطن والرياض بمسؤولية طهران عنها، لذا، وبعد قصف قاعدة كركوك بـ 30 صاروخًا، ومقتل المتعاقد الأميركي المدني الذي عمل كمترجم (امتنع البنتاجون عن ذكر اسم المتعاقد أو أسماء من كانوا بالقاعدة تلك الليلة)، وإصابة بعض الجنود الأميركيين والعراقيين؛ لم يكن ترامب على الأرجح لديه أدنى استعداد لتكرار نفس الموقف والاكتفاء بحذره تجاه الإيرانيين ونفوذهم القوي في المنطقة، ومن ثم كان رده المبدئي في صورة هجمات جوية عنيفة على قواعد ميليشيات شيعية في العراق وسوريا بطائرات F-15E Strike Eagles، ومع التهديد باقتحام السفارة وتكرار الكابوس الأميركي بلغت الأمور بالنسبة لصقور واشنطن خط اللارجعة.

كرئيس لا يحب سلفه “أوباما” أبدًا ويراه ضعيفًا على الدوام، أصبح لدى ترامب فرصة ذهبية لوضع نفسه في مقارنة مباشرة مع “أوباما” يمكنه ربحها أمام الرأي العام الأمريكي في واحدة من المرات النادرة التي لن يخسر فيها تلك المقارنات الدائمة كما اعتاد، وتأتي المقارنة هنا على خلفية رد “أوباما” الدبلوماسي الرصين ورده العسكري الأهدأ على هجمات بني غازي في سبتمبر عام 2012 على القنصلية الأمريكية هناك، والمتسببة في مقتل السفير الأمريكي “كريستوفر ستيفنز” وأوقعت دستة من المصابين من الأمريكيين وقوات الأمن الليبية المكلفة بحماية القنصلية، وقد أكد ذلك السيناتور الجمهوري الشهير “ليندسي غراهام” موضحًا أن تاريخ أحداث بني غازي ألقى بظلاله على تفكير ترامب، وبجانب ردوده “الواهنة” على الإيرانيين العام الماضي كما يصفها الصقور، اكتملت صورة الهدف في رأسه، وأصبح سليماني في عداد الموتى قبل قصف سيارته بخمسة أيام كاملة.

توضح كواليس اجتماع فلوريدا المثيرة، والتي كشف بعض تفاصيلها محررو واشنطن بوست، أهم ما حدث وكيف اتخذ قرار اغتيال سليماني. ففي يوم الأحد الماضي، 29 ديسمبر المنصرم، اجتمع ترامب أثناء أجازته بمعظم مستشاريه لشؤون الأمن القومي والدفاع في منتجعه الفاخر بـ “مار-ا-لاغو”، وبعد أن أعلن بعضهم للصحفيين الحاضرين الضربات الجوية على مواقع الميليشيات الشيعية العراقية؛ كان الاجتماع الخاص حافلًا بمناقشات حول رد آخر جراحي دقيق يؤلم الإيرانيين أكثر، وقد أدهش ترامب معاونيه بجرأته الكبيرة هذه المرة، حيث طلب منهم استهداف سليماني بعدما أعطته الاستخبارات معلومات تفيد بأن الجنرال المرموق في الطريق لبغداد خلال أسبوع واحد، وتماهى الرئيس الأمريكي مع حجة بعض مستشاري شؤون الأمن القومي الذين أخبروه أنه لو لم يتصرف الآن فسيعتقد الإيرانيون أنه بإمكانهم مواصلة الحصول على أي شيء يريدونه.

أصدر ترامب إذن أوامر تتبع سليماني وتم تعقبه استخباريًا عن طريق شبكة معقدة من المراقبين الأرضيين والدرونز ومعلومات استخباراتية من مصادر غير مباشرة، ثم تلقى ترامب توصية بأن أفضل مكان لقتل سليماني سيكون بالقرب من مطار بغداد، ومن ثم أصدر أمره النهائي بالتنفيذ قبيل العملية مباشرة.

تخبرنا تلك التفاصيل أن ترامب، وربما للمرة الأولى خلال فترة رئاسته الأولى الموشكة على الانتهاء؛ قد تماهى تمامًا مع عقلية عسكريي البنتاجون وكذا عسكريي إسرائيل ورئيس وزرائهم التاريخي “نتنياهو”، من يرون أن ضرب إيران ووضع المسؤولين الإيرانيين تحت طائلة الآلة القتالية الأمريكية شديدة التطور هو أمر لا مفر منه لكبح جماحهم في عامٍ شهد فيه النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط انحسارًا وسط موجات التظاهر التي ضربت أهم معاقله في لبنان والعراق، وكذا التصادم الروسي- الإيراني المستتر في سوريا، وقد نقل ترامب قلقه لجراهام قائلًا  له في فلوريدا «سيضربوننا مرة أخرى»، وعنى ذلك أن الرئيس الأمريكي لم يكن بحاجة إلا لدفعة بسيطة.

بعد اغتيال سليماني مباشرة، كان التبرير الأميركي والذي تكرر على ألسنة ترامب وبومبيو وغيرهم من مسؤولي الصف الأول؛ أن قتله منع «مخططًا لقتل مئات من الأمريكيين» بدون توضيح ماهية المخطط أو حجمه الدقيق وأهدافه، ويمكننا أن نجادل بأن سليماني كان مخططًا ومحركًا للدمى رفيع المستوى وشديد الذكاء والحنكة، لكنه لم يكن عنصرًا تنفيذيًا ما يعني أنه يمكن للمخطط المزعوم أمريكيًا أن يستمر كما هو في طريق تنفيذه حتى بعد موت الجنرال نفسه، وهو أمر يتفق فيه “جون باتيمان” كأحد محللي ومتخصصي الشأن الإيراني الرئيسين في وكالة الاستخبارات العسكرية الأمريكية، قائلًا أنه ربما سيستمر المخطط، لكن تنحية الجنرال من المشهد ستصنع صدمة وارتباكًا لا شك فيه لدى القيادات الإيرانية وستجعلهم أكثر حذرًا.

يحب المسؤولون الإيرانيون التفاخر دومًا بأنهم يمتلكون نفوذًا في بعض أهم رقع الشرق الأوسط يتيح لهم الحركة المفرطة وبلا مخاطر عالية لا يمكن معالجتها أمنيًا أو مخاوف اغتيالات غير قابلة للمواجهة، وقد كانت هذه هي الحالة تمامًا في حياة سليماني حتى العامين الأخيرين كما ذكرنا بعدما أطلقت واشنطن يدها وأيدي الإسرائيليين لتصفيته، ومع ذلك فإن الجنرال امتلك حرصًا وحذرًا سمحا له بإدارة شبكته الضخمة في المنطقة ميدانيًا مع الإفلات المستمر وضمان عدم تحوله للوحة أهداف سهلة لتمارين الاغتيال الإسرائيلية الأمريكية المشتركة.

لم تكن تلك المرة الأولى لوجود سليماني في المرمى الأميركي تحديدًا، وقد سبقتها أخرى شهيرة عام 2007 حينما كان سليماني في زيارة ميدانية للعراق ومر موكبه على مسافة من قافلة أمنية أمريكية، وقد رفع قائد القافلة وقتها الأمر للقيادة الأمريكية هناك لمعرفة هل تشتبك قواته مع موكب سليماني أم لا، لكن باتريوس قرر أن تكتفي القافلة بالمراقبة وألا تشتبك مع الجنرال الإيراني ربما حذرًا من تصعيد عنيف يعرض الوجود الأمريكي هناك للخطر.

بينما أتت المرة الثانية على شكل مطالبة رسمية في جلسة استماع للكونجرس عام 2011، حينما شهد “ريويل مارك جيرشت”، أخصائي الشرق الأوسط السابق في مديرية عمليات الاستخبارات المركزية الأمريكية، بأنه يجب العثور على سليماني واغتياله، وأتت تلك الشهادة على خلفية محاولة سليماني لاغتيال السفير السعودي في أميركا، وهي خطة تم إحباطها بالمصادفة بعدما حاول بعض معاوني الجنرال تجنيد أحد أعضاء عصابات المخدرات المكسيكية ليتضح فيما بعد أنه مرشد للسلطات الأمريكية، وقد أكمل “جيرشت” شهادته المثيرة وقتها بقوله “سليماني يسافر كثيرًا.. إنه في كل مكان.. اذهبوا وحاولوا القبض عليه أو قتله”، وحينها لم تأخذ واشنطن بنصيحة “جيرشت” المباشرة، لكنها حاولت حصاره بعدما وضعته وزارة الخزانة الأمريكية في نفس العام على قوائم عقوباتها لمسؤولي الشرق الأوسط.

في إطار ذلك، ومع خبرة ميدانية هائلة في إدارة شبكات وأذرع إيران وميليشياتها في العراق وأفغانستان ولبنان وسوريا واليمن، وامتلاكه لسمعة دعائية غربية كبيرة منذ تصدره المشهد الإيراني لمواجهة “تنظيم الدولة” ثم دعم نظام “بشار الأسد”، حيث كان سببًا رئيسًا في دفع روسيا للتدخل العسكري لدعم بشار وقصف المعارضة في منتصف عام 2015 بعد سفره لموسكو كمبعوث شخصي لخامنئي، ومخبرًا الروس أنه مازال يمكنهم إنقاذ بشار رغم استحواذ المعارضة على 80% من الأراضي السورية وقتها؛ في ظل ذلك فإن مقتل سليماني هو نجاح أمريكي كبير لا يمكن إنكار تأثيره أو تعويضه مباشرة، وبالنسبة للإيرانيين فسيقضي قادة الصف الأول من نظام الملالي وقتًا عصيبًا في محاولة ملء الفراغ الهائل الذي تركه سليماني في شبكات بلادهم، وسيقضون وقتًا أصعب في محاولة إيجاد ردٍ تجاه الأمريكيين يحفظ لهم ماء وجوهم، وفي نفس الوقت لا يستفز واشنطن وترامب لشن حملة عسكرية واسعة لن يتوانى الرئيس الأمريكي عن فعلها إن دُفع لذلك، وهو أمر يعلمه الإيرانيون قبل غيرهم، ويؤمنون به الآن بعدما أثبت ترامب أنه لن يمنعه شيء من استخدام قوة بلاده المفرطة إن لزم الأمر في أي مكان بالعالم، بدون أن يلتفت لأي حدود أو سيادة لأي دولة كانت.

 

 

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
close

على مدار الساعة

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل