Shadow Shadow

أوتار عراقية حول المقدس

18:47 الأربعاء 07 أغسطس 2019
article image

حارث حسن *

في نهاية شهر تموز، شهد الملعب الدولي في مدينة كربلاء افتتاح نشاطات بطولة غرب آسيا لكرة القدم. وتضمن حفل الافتتاح فعاليات في الرقص التعبيري ومعزوفات موسيقية، الأمر الذي لم يرق للقوى الدينية والإسلامية النافذة. فسارع حزب الدعوة الإسلامية الذي يسيطر منذ سنوات على الإدارة المحلية للمحافظة إلى إصدار بيان يندد بما حصل من “انتهاك” لحرمة المدينة المقدسة التي تضم ضريح الإمام الحسين بن علي. تلا ذلك بيان مشابه من ديوان الوقف الشيعي برئاسة رجل الدين علاء الموسوي.

في المقابل، رد الناشطون المدنيون والعلمانيون على مواقف القوى الإسلامية واعتبروها محاولة لتوسيع مساحة المقدس خارج نطاقاته الطبيعية، واحتكار الفضاء العام عبر قمع او تحريم المظاهر التي لا تتسق مع إيديولوجيا الإسلاميين والمحافظين. ليست هذه المرة الأولى التي يحدث فيها مثل هذا الخلاف، ويُصبح قضية إعلامية تنشغل بها وسائل التواصل الاجتماعي. فقد سبقه جدل حول “قدسية محافظة النجف”. حينها نظمت مجموعة من رجال الدين وطلبة الحوزة الدينية مظاهرة للتنديد بما اعتبروه محاولات للمس بقدسية المحافظة، خصوصاً بسبب انتشار مظاهر الاحتفال بعيد الحب في المدينة. وترافق ذلك مع سعي بعض رجال الدين ومسؤولي المحافظة الى إقرار قانون “قدسية النجف” بهدف تجريم بعض النشاطات التي يرى فيها المتدينون وكثير من الإسلاميين انتهاكاً للطابع الديني للمحافظة.

تعكس هذه الأحداث مسار التحول من سياسات تتمحور حول الهويات، الى صراع ذي طابع أيديولوجي وثقافي يحدث داخل كل طائفة. ففي السنوات الماضية، كان الانقسام السني-الشيعي الذي أخذ أبعاداً سياسية ومجتمعية قد خلق وحدة قسرية داخل كل طائفة، وهي تواجه الخطر المفترض الذي تمثله “الطائفة” الأخرى. هذا الاستقطاب الذي تصاعد في أجواء من الصراع الأهلي والسياسي واتخذ شكل العنف المسلح في الفترة بين ٢٠٠٥ و ٢٠٠٨ ، ومن ثم بين ٢٠١٢ و ٢٠١٧ ( نتيجة لصعود تنظيم داعش)، أدى الى تأجيل الجدل حول القضايا المتعلقة بنمط الحياة والاختيارات الفردية والنظام الأخلاقي. لكن مع نهاية الصراع مع داعش ودخول العراق مرحلة من الأمن النسبي وتراجع مستويات العنف، حصل مزيد من التطبيع للأوضاع المجتمعية وتراجعت مستويات الشحن الطائفي، وبرزت إلى السطح على نحو أكثر وضوحاً القضايا المتعلقة بتحديد نطاق الحريات الفردية وماهية المعايير التي تنظم الفضاء العام وتعكس علاقات السلطة الجديدة داخله.

وهنا تكمن المفارقة في موقف القوى الدينية والإسلامية، وبشكل خاص الشيعية منها. فمن جهة نجحت تلك القوى بتوطيد قبضتها على السلطة والموارد واستفادت من الصراع مع (داعش) لتطوير أدوات عنفية جديدة تمثلت بالأجنحة المسلحة التي أضفيت عليها الشرعية الشعبية والرسمية خلال ذلك الصراع. ومن جهة أخرى، شعرت تلك القوى بأن تصاعد النزعات الاحتجاجية في الشارع الشيعي واتخاذها طابعاً مناوئاً للإسلام السياسي، فرض تحديات مختلفة تُهدد شرعيتها المجتمعية وهيمنتها الثقافية. هذا الأمر دفعها لإعادة ابتكار نفسها وتبني خطاب جديد لايتمحور حول الدين، وفي الوقت عينه تطوير أدوات السيطرة على السلطة والفضاء العام.

لكن نهاية الصراع الوجودي مع “داعش” أعطى بعض تلك القوى الحافز كي تعود لانشغالات مؤجلة تتعلق بمشروعها للأسلمة المجتمعية، خصوصاً أن وجود الاحتلال الأميركي قبل عام 2011 كان يضع حدوداً لسلطتها. تجسد ذلك مؤخراً بسعيها لتمرير قانون جديد للمحكمة الاتحادية (وهي الهيئة القضائية العليا في البلاد التي تحكم في دستورية القوانين وتحل النزاعات بين المؤسسات الحكومية) يفرض وجود فقهاء في هيئة المحكمة، بل ويمنح هؤلاء الفقهاء حق الفيتو على قراراتها. وقبل ذلك، سعت بعض القوى الإسلامية في البرلمان الى تعديل قانون الأحوال الشخصية ببنود تمنح الهيئات الدينية الافتائية سُلطة قضائية مقننة وتسمح بإصدار أحكام خاصة بكل طائفة. اعتبر ناشطون مدنيون هذه الخطوة، محاولة لتطييف وأسلمة الأحوال الشخصية وردوا على ذلك باحتجاجات واسعة، وقد ساعدهم في إيقاف تمرير هذا القانون – حتى الآن- عدم إظهار المرجع الشيعي الأعلى في النجف، علي السيستاني، حماساً لهذه التعديلات. لكن ذلك لايعني أن القوى الإسلامية قد تخلت عن المشروع تماماً، ويحتمل أن تعود اليه مستقبلاً حينما تتوافر ظروف أفضل لتمريره.

 

لقد أخذ المجتمع العراقي – شأنه شأن بلدان المنطقة الأخرى- يتأثر بالتيارات والصراعات الجديدة التي حملتها العولمة، وبشكل خاص عبر السوشيال ميديا والإنترنت ومحطات التلفزيون الخاصة التي انتشرت على نطاق واسع بعد العام ٢٠٠٣. ويمكن القول إنه يخضع في الوقت نفسه إلى تيارين عولميين، الأول تمثله العولمة الإسلامية التي تجسدت بمظاهر جديدة في طريقة التعبير عن التدين والتقوى لم تكن موجودة سابقاً، وقد تأثرت ببعض الممارسات والتيارات القادمة من ايران ودول الخليج، كما هو الحال مثلاً في إقامة احتفالات خاصة ببلوغ الفتاة سن “التكليف”، أي التاسعة، حيث يجري تحجيبها بحضور أقربائها وجيرانها. شهدت بنفسي هذه الممارسة في كربلاء، وعرفت بأنها تلقى تشجيعاً من المدارس الدينية التي ترعاها العتبات الدينية هناك، والتي أصبحت اليوم مؤسسات ذات نفوذ واسع، فضلاً عن اتجاه المدارس العامة الى الدعوة لارتداء الحجاب والفصل بين الجنسين. وإذا كان انتشار السلفية في الفضاء السني خلال العقود الأخيرة قد عبر عن اتساع تأثير نموذج معولم من الإسلام السني اصطدم بالنماذج المحلية ذات الطابع الصوفي في مناطق عراقية، ولا يزال هذا الصدام مستمراً، فإن شكلاً من التشيع المعولم قد انتشر في العراق. هذا الانتشار حصل خصوصاً بعد إسقاط نظام صدام حسين وإزالة الحواجز التي كانت تعيق التواصل بين شيعة العراق وإيران ولبنان والخليج، وعودة العديد من النخب السياسية والدينية الشيعية من المنفى لتستلم مواقع نافذة في الدولة العراقية وفي بعض المؤسسات والمنابر الدينية.

أما تيار العولمة الآخر، فهو ذو طابع غربي، حيث انتقلت العديد من الصرعات والنماذج الاستهلاكية المعروفة بالغرب – على مستوى الموضة والمأكل ونمط الحياة- الى العديد من القطاعات الاجتماعية العراقية، وبشكل خاص الطبقة الوسطى. ومن مظاهر ذلك انتشار تربية الكلاب والحيوانات المنزلية، وماركات المطاعم والمقاهي الشهيرة او تلك التي تحاكيها ككنتاكي وبرغر كنغ وماكدونالدز، فضلاً عن قصات الشعر وموديلات الملابس. واتصالاً بذلك، أخذ الكثير من الشباب العراقيين يحتفلون بمناسبات لم تكن معروفة سابقاً كعيد الحب والهالوين (البربارة)، أو يُقبلون بشكل أكبر على المشاركة في احتفالات غير إسلامية مثل أعياد رأس السنة. كما أخذت تظهر مبادرات فردية تتعلق بالدفاع عن المثليين، بينما تنشط صفحات السوشيال ميديا الخاصة بالناشطين المدنيين بالتأكيد على القيم العلمانية وتقديم الحجج على افلاس الإسلام السياسي.

واللافت أن تياري العولمة هذين ليسا في صراع دائم، بل هما يتعايشان و-بشكل غير مباشر- يتفاوضان على مساحة وجودهما في الفضاء العام. وهنالك الكثير من الشرائح التي تأثرت بهما في الوقت ذاته، فتبنت مظاهر التدين الجديدة وكذلك مظاهر الانفتاح الجديدة ووجدت طريقة لاستيعابهما معاً دون شعور بالتناقض. غير أنه في عالم يتغير سريعاً، وتسهم وسائل السوشيال ميديا والعولمة بتسريع تحولاته، فإن الصراع على تشكيل النظام القيمي وتجلياته في الفضاء العام في العراق لا يزال في بدايته، وهو مرشح لأن يتخذ مسارات مختلفة بحسب مآلات الوضع السياسي والظروف والمتغيرات الداخلية والإقليمية ومدى طول فترة السلام النسبي التي يعيشها البلد حالياً.

ومن المرجح أن لا يكون الجدل الذي أطلقه افتتاح بطولة غرب آسيا في ملعب كربلاء هو الأخير في صراع القوى السياسية والثقافية والمجتمعية حول إعادة تشكيل النظام القيمي العام ورسم حدود المقدس ونطاق الحريات الفردية. فكلما ابتعد البلد عن السياسات المتمحورة حول صراع الجماعات الطائفية والعرقية، يُحتمل أن يتصاعد الانقسام الأيديولوجي بين الإسلاميين والعلمانيين، وحينها – وكما تظهر بعض المؤشرات والحوادث مؤخراً – قد تصبح الجماعات الإسلامية المهيمنة على هيكل السلطة أكثر استعداداً لاستخدام القمع الجسدي والمعنوي ضد خصومها.

كلمات المفتاح:

رأي

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل