Shadow Shadow

أنا على دين جدّتي “أم فيصل” رحمها الله

20:48 الإثنين 09 سبتمبر 2019
article image

أحمد سعداوي*

من ذكرياتي الطفولية عن أيّام عاشوراء، أنها مجرّد لحنيّة صوتٍ متفجّع يأتي استراقاً من وراء الجدران الحذرة للشيخ عبد الزهرة الكعبي.

وسط القمع الثقافي والاجتماعي للتعبيرات الطقسية الشيعية لم يكن هناك من أثر لعاشوراء في الشارع والحياة، إلّا ما ندر. وكانت قدور الهريس الذي تصعنه جدّتي بانتظام مع كلّ موسم، هي العلامة البارزة لهذه الأيام الطقسية، وظل هذا التزاماً دائماً عند الجدّة “أم فيصل” حتى وفاتها، ثم استمر حتى الساعة مع ابنتها، أمّي.

هذا الالتزام في تلك الأوقات – والذي لا يتوسّل مظهريةً اجتماعية أو نوعاً من الرّياء أو الكسب بأشكاله المختلفة- كان مؤثراً، ويكشف عن الحدّ الطبيعي الفِطْري للتديُّن وضروراته الاجتماعية والنفسية، ويمثل في الوقت نفسه، من جانبٍ آخر، كيف أن الناس نفسها، لا سلطة دينية أو سياسية محددة، هي من كانت تدافع عن ثقافتها وطقوسها تحت أقسى الظروف، وبأشكال قد تبدو بسيطة وشخصية وشبه سريّة أحياناً.

كتبتُ مرّة: إنّ الانسان يعبد الإله الذي يتعرّف عليه في طفولته. هناك بصمة لِيَدِ الإله على الطين الأول، ستبقى هذه البصمة مع تغيّر الآلهة حين يكبر الإنسان، فيعتمدها ويسقطها تباعاً مع نموّه العقلي، على طريقة إبراهيم النبي في رحلته لمعرفة إلهه.

ولكن، يبقى الإله الأصلي هو ذلك الذي طبع بيده على طين الوعي الأول. وفي مرحلة النضج المتقدّم للوعي يعود الإنسان ليقدّر طبْعةَ اليَدِ هذه ويُعيدَ تأويلها مرّة بعد أخرى داخل نسيج وعيه المتقدم والمُعقَّد. لا من أجل أهداف أيديولوجية غالباً؛ وإنما بالدرجة الأساس للتّصالح مع الذات، والاعتراف بكلّ تراثها الخاص، روحياً ونفسياً.

ما زلتُ أحنُّ إلى قدور الهريس الكبيرة لجدّتي، ولرائحةِ حريق الحطب تحت القدور، ومشاركتي بتوزيع الصحون على أبواب الجيران.. لرشّةِ الدارسين المطحون على طرفٍ واحد من الصحن. هكذا أتذكر شكله حتى الآن.

جدّتي والله الذي تعرفه، والحسين الذي تتوسل الصِّلَةَ معه، كلُّهم في طَبْعةِ يَدٍ واحدة على طين وعي أول.

asnew

*روائي عراقي.

asnew

asnew

 

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
close

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل