Shadow Shadow

نشر روايته الكاملة بـ 8 صفحات

 آخر الشهود الأحياء يروي تفاصيل اللحظات الأخيرة: هكذا قُتل ملوك العراق

18:48 الثلاثاء 16 يوليو 2019
article image

بغداد – ناس

يقدم أحد الشهود الأحياء من الضباط الأركان على أحداث ثورة الـ14 من تموز عام 1958، روايته عن الساعات الأولى للثورة، والهجوم على قصر الرحاب، والأهم القصة الكاملة عن مقتل العائلة المالكة.

وينقل “ناس” رواية المقدم الركن عربي فرحان الخميسي، المنشورة على صفحته في الفيسبوك. والخميسي أحد أعضاء منظمة الضباط الأحرار ساهم في الثورة منذ انبثاقها في صبيحة اليوم الرابع، بعد 8 شباط عام 1963م هاجر العراق إلى إيران مُتخفيا، وحاليا يسكن مع عائلته في نيوزلندا. وفيما يأتي النص الكامل لرواية الخميسي عن تلك اللحظات:

asn

“عشتُ وسمعت”

قال المقدم الركن عربي فرحان الخميسي: لعلم القارئ الكريم، إني أكتب – الآن – مُعتمدا على الذاكرة عن واقعة وقعت قبل خمسين سنة خلت وليعذرني ذوو الإنصاف وشكرا..

الحقيقة ترددتُ كثيرا بالكتابة حول هذا الموضوع، وكنت كل هذه السنين متأملا أن تبادر بعض تلك الشخصيات العسكرية التي تعايشت مع هذا الحدث والتي ما تزال على قيد الحياة أن يكتبوا حولها ومنهم – على سبيل المثال – أعضاء منظمة ضباط الأحرار المحترمون وأخص منهم الأخوة:

قاسم أمين الجنابي مُرافق الزعيم عبد الكريم قاسم، وصبحي عبد الحميد وفيصل شرهان العرس، وغيرهم وكذلك كل من الضباط السادة: منذر سليم آمر السرية المكلفة باحتلال قصر الرحاب، وجبار خضير وعبد الرزاق غصيبة اللذين سيطرا على معسكر الوشاش وقدما المساعدة في تزويد منتسبي السرية بالعتاد، وطه البامرني مقدم الخفر للحرس الملكي، وعبد الرحمن صالح رئيس الخفر لتك الليلة في قصر الرحاب، وعبد الله الحديثي ومصطفى عبد الله من مدرسة الأسلحة الخفيفة وغيرهم من الضباط، وكذلك الضباط القادة منهم.

ولما لم يحدث ذلك أو لم يرد تفصيلٌ مع الأسف فقد بادرت بتقديم هذه المعلومة كما عشتها ورأيتها وسمعتها شخصيا آنذاك .

وقبل أن أبدأ بالكتابه أؤكد للتاريخ أن ما كتبه بعض الأساتذة الافاضل عن هذا الموضوع بالذات بمناسبة 14 / تموز هذه السنة وكل سنة قبلها، وما تزال الكتابات متوالية حتى هذه الساعة، وهم كثر، ومع احترامي للجميع فقد جاء في بعضها كثير من خلط الوقائع وتوجيه الاتهامات الى فرد معين او جهة معينه؛ جراء تناقل المعلومات التي قد تكون في معظمها غير دقيقة في وصفها وتاريخها وشخوصها وكُلٌّ كتب من زاويته الخاصة، وحسب رؤيته لها، فإليكم القصة بالكامل كما عشتها:

asn

“زوجتي توقظني”

في الصباح الباكر من يوم الاثنين الموافق 14 تموز سنة 1958 أوقظت من النوم من قبل زوجتي لتخبرني بما سمعت من دار الاذاعة العراقية: بأن ثورة ضد الحكم قد وقعت، وكان لي علم بها من دون معرفة موعدها المحدد بالضبط؛ حيث كنت وزملائي خريجي كلية الاركان نتمتع بإجازة التخرج آنذاك.. ومع ذلك عرفت أن الثورة المرتقبة ها هي قد حدثت!!

وحالا ارتديتُ ملابسي العسكرية وذهبت على الفور الى وزارة الدفاع الكائنة آنذاك في شارع الرشيد من جهة باب المعظم، وكانت الجماهير قد سبقتني وهي محتشدة وما زالت حتى تلك اللحظة تحتشد يمينا ويسارا وقد احتلت شارع الرشيد، وكل المنافذ والازقه المؤديه لوزارة الدفاع وفي كل الاتجاهات، وبطريقي من الأعظمية حيث أسكن الى وزارة الدفاع شاهدتُ القوات المدرعة – أعرف بعض ضباطها منهم: المقدم سعدي – وقد اتخذت موضعا لها في ساحة عنتر – الأعظمية.

كان باب وزارة الدفاع مفتوحا على مصراعيه.. دخلت الوزارة ورأيت أحد ضباط الانضباط العسكري الذي أكد لي قيام الثورة وأن قادتها لم يحضروا كلهم حتى الان لوزارة الدفاع. وبعد مدة قليلة رأيت العقيد عبد الكريم الجدة آمر الانضباط العسكري وهو منهمك بإصدار الأوامر لضباط ومراتب الانضباط العسكري. ولما لم يَصدُرْ بَعْدُ أمر تعيني وضباط دورتي الثالثة والعشرين المتخرجين من كلية الاركان قبل خمسة ايام فقط من الثورة اي في 9 / 7 /1958؛ فقد أشار علي العقيد كريم الجده أن التحق بإمرة العقيد عبد اللطيف الدراجي الذي عُيِّنَ تواً آمرا للواء المشاة العشرين الى حين صدور الامر بتوزيعنا وزملائي الخريجين على وحدات الجيش العراقي.

asn

“بيان رقم واحد”

لقد اتاحت لي هذه الحالة فرصة التنقل بحرية تامة، وخلال هذا الوقت كانت نداءآت عبد السلام عارف وقراءته البيانَ الأول للثورة تتكرر باستمرار، وهو ينادي جماهير الشعب للتوجه الى قصر الرحاب لدعم الثوار والثورة ، ويحرض على اقتحامه فتوجهت مشيا على الاقدام نحو قصر الرحاب ووصلته حوالي الساعة السابعة والنصف صباحا، ولم أجد هناك سوى بعض الجنود اثنين أو ثلاثة وهم منهمكون بحزم عفشهم وجمع حاجاتهم الشخصيه لمغادرة المكان.. وكانت رائحة الدخان ماتزال  تنبعث من بوابة القصر، وهو خَالٍ من الأثاث والمحتويات ورأيت هنا وهناك بعضها إما مُهشما أو مُبعثراً أو مكسورا.. وأن عمود شرفة الباب الأيمن “الدنكَه” والحائط الأمامي لمبنى القصر كانتا قد ضربتا بصاروخين كما هو ظاهر للعيان بشكل واضح تماما للفرد الواقف أمام الباب.

asn

“قصّاب يعبث بجُثة الوصي نهاراً”

وقد روى لي أحد جنود الحرس القلة من الباقين، تفاصيل ما حدثت من أمور قبل ساعة من الزمن ردا على تساؤلاتي منهم حول ما جرى؟ فسمعت لأول مرة قصة قتل أفراد العائلة المالكة – سآتي عليها لاحقا – .

وبعدها عدت راجعا وفي طريقي عرجت الى موقع السفارة البريطانية الواقعة في جانب الكرخ على ضفة نهر دجلة اليمنى بين محلتي الكريمات والشواكة؛ فرأيت الجماهير المحتشدة امام السفارة وهناك تبادل لإطلاق نار خفيف من وإلى داخل السفارة، وتمثال الجنرال الانكليزي “مود” رمز الاستعمار قد أَسقط من مكانه، وهناك بعض الاشخاص كانوا يقومون بنهب السفارة البريطانية من جهة شاطى نهر دجلة من محلة الكريمات حيث انحسار مياه دجلة، وبعضهم كان يحاول تهشيم التمثال.  وفي طريقي لعبور جسر الشهداء رأيت جثمان الوصي عبد الاله معلقا على العمود الكهربائي الملتصق بفندق الرحاب في شارع المأمون قرب ساحة الشهداء في الكرخ، وشخص ما مدني بملابسه العربية وعلى الاكثر كان قصابا كما يظهر من هيئته حاملا قامة “اشبه بالسيف” يقوم بالعبث بها وتقطيعها، والجماهير محتشده على شدتها، ومن ثم بعدها توجهت راجعا الى وزارة الدفاع حيث التحقت انا والرئيس الركن صبحي محمود الطعان بمقر اللواء العشرين، وكان آمره العقيد عبد اللطيف الدراجي الذي اتخذ من بناية الثكنة الشمالية “الكرنتينة” للجيش الواقعة في باب المعظم مقابل وزارة الاوقاف والشؤون الدينية حاليا مقرا له.. وهناك التقيت ببعض ضباط ركنه اتذكر منهم: الرئيس الاول الركن حاتم عطية وهو زميلي بالدراسة، وخلال وجودي لم أُلاحظ أية فعاليات أو نشاطا لضباط هذا المقر بما فيهم: آمرُهُ.. وكان الجو تسوده الكآبة، وقدر من الحيطة والحذر، وربما الخوف بما تضمره الساعات القادمة من أخطار، وتبادلت الحديث مع بعضهم وسمعت منهم بعض المعلومات عما يجري آنذاك وكذلك الحديث عن قصة قتل العائلة المالكة وكانت مطابقة تماما لما أخبرني به الجنود أمام القصر كما جاء أعلاه والتي سأرويها لاحقا.

asn

“سحل الوفد الأردني”

خلال الثلاثة ايام من وجودي في أو حوالي وزارة الدفاع شاهدت وسمعت الكثير من الامور والاحداث التي كانت تأتي متسارعة منها اعتقال وزراء العهد الملكي وشخصيات الحكم فيه وكيف كانوا يعاملون بكل احترام وتقدير ويرسلون الى الموقف العام الواقع خلف المستشفى الملكي سابقا “مكان وزارة الصحة الآن” وكان آمر الموقف الرئيس الأول أنور الحديثي الذي عُيّنَ توا، وقد زرتُ هذا الموقف شخصيا في اليوم الثالث للثورة ورأيتُ حُسنَ معاملتهم من قبل مسوؤلي الموقف، كذلك رأيت جثثا تسحل بالشوارع لبعض الذين قتلوا خلالها منهم صباح نوري السعيد والبقية الباقية من جثة الوصي عبد الإله واثنين قيل لنا هما: من الوزراء الأردنيين كانا نزيلي فندق سمير آميس في العراق لتلك الليلة، وقيل: أيضا إنهما ممثلا الحكومة الأردنية لحضور اجتماع وفود الاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن وكذلك جثة نوري السعيد في اليوم التالي وغيرها من وقائع. وإني أعلم جيدا أن هذه الافعال لم تكن من مهمات الثورة ولا من قراراتها بتاتا كما إن سحل بعض الجثث في الشوارع لا يمكن ان تنسب لآية جهة إطلاقا بل هي ردة فعل الجماهير الغاضبة وممارساتها غير الموجهة، وغير المنضبطة حيث لم تكن صورة الثوره واضحة المعالم حتى تلك اللحظة لسائر الناس بشكل جلي خاصة وإن معظم الجماهير كانت من العامة البسطا. ولم يكن هناك اي نشاطات اوممارسات تنسب لجهات حزبية او تنظيميه حتى تلك الساعه، كما لم اسمع بها سابقا او لاحقا كتوجيه مبيت من قبل قادة الثوره ما عدا تصريح واحد سمعته بأذني وقد صدر عن عبد السلام عارف في زيارته للبصرة بعد الثورة بثلاثة أشهر – كما أتذكر –  إذ قال أمام آمر الموقع وبعض الضباط وأنا منهم: “إننا انتهينا من الحبال وسنرسلها إلى الأردن”.

وقد فوجئنا بهذا القول غير الموزون كيف يصدر من رجل دولة مسؤول في حينه وأمام حشد من الجنود؟!

asn

“الطريق إلى قصر الرحاب”

كان احتلال قصر الرحاب كما تقتضي الخطة، تقوم به إحدى سرايا المشاة التي كان آمرها الرئيس منذر سليم من خريجي الدورة الرابعة والعشرين للكلية العسكرية، وكان معه اثنان من آمري الفصائل الضباط برتبة ملازم وملازم أول للسرية نفسها، كما كانت السرية ناقصة المِلاك، والتجهيز، والتسليح. ويُقدّر تعدادها بحوالي ثمانين فردا.

وفي ليلة التنفيذ 13 /14 تموز 1958 اتجهت السرية المذكورة قادمة من معسكر المنصورية ضمن باقي القوات نحو صوب الكرخ باتجاه قصر الرحاب منقولة بعدد من السيارات العسكرية سالكة الطريق العام بغداد – الحلة، الذي كان آنذاك عبارة عن سدة قليلة الارتفاع تمتد طولا من محلة علاوي الحلة حتى نهاية الحارثية، تفصل القصر عن معسكر الوشاش “منتزه الزوراء حاليا”، ومارة بثكنات وحدات لواء الحرس الملكي عند جسرالحارثية “نهر الخر”، وعلى الجانب الأيسر للطريق. وعند وصول السرية مقابل قصر الرحاب – الذي هو حاليا ساحات معرض بغداد الدولي – ترجل منها منتسبو السرية وانتشرت السرية على شكل نسق منفتحة موازية للطريق، وتقدمت نزولا الى صوب القصر بأمر آمر السرية المذكور وكانت الساعة تشير إلى السادسة أو قبلها بقليل، حيث ما يزال الظلام بدرجة خفيفة أوعند الضياء الأول من النهار.

ومعلومٌ: أن قصر الرحاب عبارة عن بناء من الطابوق ذي طابقين مربع الشكل تقريبا، وأن طول ضلعه حوالي الأربعين مترا، له بابٌ أمامي يؤدي إلى الداخل وعلى الباب ذاته شرفة مُستندة على عمودين “دنكَه”.. واحد على كل جانب من الباب، ومثلها في الطابق العلوي الثاني، كما يحيط بالقصر سياجٌ خارجي بارتفاع حوالي المترين، مبني من الطابوق أيضا على شكل مربع.. يَبْعُدُ السياجُ الخارجيُّ حوالي الخمسين مترا عن القصر، وله أربعُ رَبَايا للحراسة موزعة على زواياه الأربعة، وله باب عريضٌ أمامي للدخول، وعلى جانبي الباب غرفتان صغيرتان لسكنى الحرس، كما كانت هناك حديقة كبيرة أمام القصر مزروعة شجيرات صغيرة ذات ارتفاع واطئ، هي على الأغلب من شَجَر الآس.. وعلى شكل سواقي صغيرة متوازية وأرضها مغطاة بالعشب الأخضر “الثيل”. يَخرقُ الحديقةَ من باب السياج الخارجي شارعٌ مُبلطٌ مؤدٍّ إلى باب القصر الداخلي، يسمح بدخول العربات، وينتهي بساحة مبلطة صغيرة أمام القصر مباشرة، وهو يقسم الحديقة الأمامية الى قسمين متساويين.

asn

“الهجوم”

في تلك الليلة – وكالعادة – هناك قوة عسكرية من المشاة قائمة بواجب الحراسة تحت إمرة ضابط الخفر الملازم الاول مؤنس ثابت – وهو في الوقت نفسه أحد مرافقي الملك فيصل الثاني – إضافة الى ذلك كان يوجد في القصر ضابطٌ آخرُ يقوم بواجب رئيس الخفر وهو: الرئيس عبد الرحمن صالح، زميلي من الدوره الخامسة والعشرين للكلية العسكرية. في تلك الليلة بالذات كان هناك مقدم خفر في مقر لواء الحرس الملكي في الحارثية التي لا تبعد أكثر من خمسمئة متر من القصر وهو معاون آمر فوج الحرس الملكي المقدم طه البامرني.

حال اقتراب افراد السرية من الباب الخارجي للسياج أحس بهم رجال الحرس فقاموا بمناداتهم: قِفْ. فرد آمر السرية على الصوت: سلموا أنفسكم، لقد قامت الثورة.

وبعد تكرار السؤال والكلام بين الطرفين لفترة قصيرة، أطلق الرصاص باتجاه السرية فردت السرية بالمثل بإطلاق الرصاص ولكن بكثافة، ثم أغلق الباب الخارجي؛ وعلى إثرها انسحب أفراد الحرس إلى الداخل؛ فقامت السرية بالتقدم نحو الباب الخارجي، وتمكن أفرادها من التسلل داخل القصر مُتخذين وَضْعَ الانبطاح مستفيدين من سواقي الحديقة وشجيراتها، منتشرين على شكل نسق بمواجهة مبني القصر.. وفي اثناء ذلك بدأ اطلاق الرصاص بشدة على جنود السرية من بوابة القصر الداخلية  ومن شرفة القصر. وكانت السرية بدورها تطلق النار باتجاه مصدر الاطلاق، واستمرت الحالة لفترة قصيرة من تبادل اطلاق النار بين الطرفين، ولما كانت السرية مزودة بعدد قليل من العتاد – بحدود عشرين طلقة لكل بندقية – أصبح موقف السرية حرجا وخطرا…

استمرت حالة الرمي لوقتٍ آخرَ أطول؛ مما دعا آمر السرية أن يفكر جديا بضرورة الحصول على العتاد وباسرع وقت ممكن. وفي تلك اللحظات الحرجة وبالصدفة، وصلت مدرعة تقل الملازم الاول عبد الرزاق غصيبه ومعه الملازم الأول جبار خضير؛ بغية استطلاع الموقف بعد أن أنهيا واجبهما من فرض السيطره على معسكر الوشاش القريب والمقابل لقصر الرحاب.. وبعد الاستفسار عن الوضع من آمر السرية طلب الأخير منهما جلب العتاد لأفراد سريته الذي أوشك على النفاد وبالسرعة الممكنة، وبناء على ذلك ذهبت المدرعة ومن فيها الى مقر مدرسة المشاة في معسكر الوشاش التي تبعد عن القصر فقط ثلاثمئة متر.. وهناك وجدا فيها كلا من الملازم الأول عبد الله الحديثي والملازم الأول عبد الستار العبوسي وهما من معلمي دورات تدريب الضابط على مدفع عشرين ملم ضد الدبابات، وكذلك كان الملازم مصطفى عبد الله أحد الضباط التلاميذ فيها فقام هؤلاء الضباط بفتح باب المشجب وأخذوا منه العتاد المطلوب، وركب الثلاثة سيارة من نوع “جيب” تحمل مدفع بازوكة من عيار 105 مم ضد الدبابات ومعه عتاده وهو: عدد  من الصواريخ، وتحركت السيارة صوب القصر حيث وصلت خلال وقت قصير جدا فوزعت الأعتدة على الجنود وانضم هؤلاء الضباط إلى آمر السرية، وهنا اشتد تبادل إطلاق النار بين القصر وأفراد السرية؛ وبالنظر لعدم استجابة من في القصر للاستسلام – كما كان يعبر عن حال لسانهم ضابط الخفر الملازم الاول مؤنس ثابت حتى تلك اللحظه –  فقد بادر الملازم الأول ستار العبوسي باستخدام المدفع لضرب القصر بصاروخ واحد أي: طلقة واحدة أصابت “دنكَه” شرفة باب القصر، ولما لم تستجب القوة المدافعة عن القصر للاستسلام أيضا فقد كرر الضربة فأصابت هذه المرة الجدارَ الأمامي للقصر؛ فأحدثت الضربة هزة عنيفة وصوتا عاليا، وعلى إثرها وافق نزلاء القصر بالاستسلام دون قيد اوشرط..

وكان أول من خرج من الباب ضابط الخفر “المرافق” المُلازم الأول مؤنس ثابت رافعا بيده اليسرى منديلا أبيض، وخلفه مباشرة كان: الملك، والوصي، ومن ثَمّ باقي أفراد العائلة المالكة وبعض أفراد الحاشية، وعندها وقف آمر السرية وباقي الضباط وجميع منتسبي السرية حاملين أسلحتهم – وهم بوضع التهيؤ – مستقبلين المستسلمين لاستلامهم.

وحين اقترب الملازم الأول مؤنس ثابت من الواقفين بانتظاره وهو على بعد عشرة أمتار تقريبا فاجأ الواقفين بسحب مسدسه الشخصي الأوتوماتيكي المثبت بحزامه وأطلق منه صلية واحدة من عدة اطلاقات، تزامنت تماما مع فتح نار شديدة وبكثافة من رماة كانوا بالطابق الأول من القصر، وكانت بالتحديد الشرفة الأمامية هي مصدر تلك النار، وبردة فعل غير إراديه فتح جميع الضباط بما فيهم: الملازم الأول ستارالعبوسي، وباقي المراتب النار على الملازم الأول مؤنس ثابت فأردوه قتيلا في الحال هو ومن كان خلفه من الأفراد من العائلة المالكة من دون تمييز..

وكانت حصيلة الرمي من الطرفين سقوط أحد مراتب السرية قتيلا وجرح الملازم الأول مصطفى عبد الله وآخرين، ومن الجانب الثاني سقوط الجميع رجالا ونساء قتلى ما عدا زوجة الوصي وشخص آخر. ومن ثَمّ جرى نقل القتلى لمستشفى الرشيد العسكري بسيارة عسكرية إلا أنّ الجماهير أوفقتها وسحبت منها جثة الوصي عبد الاله فقط وتصرفت بها – كما سأبين ذلك-.

asn

“خُلاصة”

لقد تأكد لي على وجه اليقين في تلك الساعه وذلك اليوم أن سبب الحدث يتحمله الملازم الاول المرحوم مؤنس ثابت بالذات، والذي تبين أن موضوع فتح النار كان أمرٌ مُدبّرٌ من قبله، وهوالذي وضع خطة الرمي على السرية من شرفة القصر بإشارة منه، وإن قيامه بفتح النار كانت بمثابة إيعاز بالرمي؛ مما سبب كارثة لم تكن بالحسبان مُطلقا، وأن الملازم الأول عبد الستار العبوسي لم يكن سوى واحد من أؤلئك الرماة  – كما أسلفت – وكان مُسلحا بغدارة من نوع “بجت” مثل باقي الضباط الآخرين.

asn

“أمور مهمة”

من الأمور المهمة التي أريد أن ألفت نظر القراء الكرام إليها هي: موقف كل من رئيس الخفر عبد الرحمن صالح، ومقدم الخفر المقدم طه البامرني، وهما في موضع المسؤولية والواجب لتلك الليلة؛ فالأول اتّصل بالثاني تلفونيا منذ بدء الهجوم على القصر وأعطاه تقريرا شفهيا عن الموقف وآخر تطورات الأحداث أكثر من مرة، وطلب منه التدخل بناءً على طلب الوصي نفسه، إلا أن المقدم طه البامرني لم يُلبِّ الطلب، ولم يُحرّكْ قطعات الحرس الملكي التي كان بإمكانها إجهاض الثورة والقضاء على السرية المهاجمة وإبادتها كليا.

وقد تبين فيما بعد أن الموما إليه كان مُتعاطفاً مع حركة الضباط الأحرار، ومُناصراً لهم، ولولا موقفه هذا ما كان لثورة تموز أنْ تنجح أو قد تتعقد الأمور على أقل تقدير من جراء تدخل الحرس الملكي المتفوق عددا وتسليحا!!

وختاما أشهد – وبحيادية تامة – أنّ معلوماتي هذه عن وقائع وأحداث قصرالرحاب يوم 14 /تموز التي قُتِلَ فيها الملك فيصل الثاني وخاله الوصي عبد الاله وباقي أفراد العائلة المالكة، جاءت من مصدرين:

الأول: مشاهداتي الشخصية لبعض جوانبها يوم وقوعها مباشرة – كما أسلفت -، والثاني: تفاصيلُ، أحداثُها مُستقاةٌ من لقائي الشخصي مع بعض الضباط الذين اشتركوا بها أو أشرفوا عليها، ومن الضباط الذين لهم صلة قربى أو زمالة مع أولئك الضباط المنفذين المباشرين لها في أيامها الثلاثة الأولى من وقوعها، وجُلّهم من معارفي وأقراني في الكلية العسكرية وفي كلية الأركان.

أتمنى أنْ أكون قد تمكنتُ من إعطاء الموضوع أبعادَهُ الحقيقية، طالما هو مكان نقاش وسجال منذ خمسين عاما خلت!!

 

كلمات المفتاح:

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
close

ما هو نوع موادك المفضلة

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
عاجل عاجل